تضم محافظة طرطوس حوالي 450 موقعاً أثرياً متمثلاً بعدد من التلال والأبراج والحصون والحمامات والكنائس والمعابد والقصور والأديرة والمتاحف والمدافن وطواحين المياه ومعاصر الزيتون والقلاع، التي كان لها دور مهم ومتميز في التاريخ الإنساني والتطور الحضاري كقلعة المرقب، التي تعد إحدى أكبر وأهم قلاع العصور الوسطى في الشرق، حيث تقع على قمة جبل بركاني يرتفع 380م عن سطح البحر ويبعد حوالي 2كم عن شاطئ البحر، تشرف على بلدة بانياس وتحرس الطريق الساحلي، كما تشرف على السهول الخصبة شمال شرق باتجاه اللاذقية، وعلى سلسلة الجبال من الجهة الشرقية.

مشاريع ترميم وتدعيم

عن قلعة المرقب ألقى المهندس مروان حسن أحد أعضاء الفريق المشرف على أعمال الترميم في القلعة محاضرة في المركز الثقافي في بانياس تحت عنوان “رؤية في تطوير قلعة المرقب سياحياً” بيّن فيها أن بناء القلعة الأول كان من قبل السكان المحليين للمنطقة سنة 404هـ، 1062م، وتتألف من حصن داخلي وقلعة خارجية أكثر اتساعاً يحيط بها سور خارجي مزود بأبراج دائرية ومستطيلة يعلوها البرج الرئيسي (الدونجون)، كما يحيط بالسور الخارجي من الجهة الشرقية خندق محفور في الطبقة الصخرية، أما الحصن الداخلي فهو عبارة عن قلعة صغيرة مستطيلة الشكل تقريباً لها حلقتان من الأسوار تقع على الذروة الجنوبية للقلعة، ويشكل السور الخارجي خطوط دفاعية للحصن الداخلي.

وأكد حسن أن المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية تقوم سنوياً بتنفيذ مشاريع تدعيم وترميم في القلعة, حيث تم تبنّي الموقع عام 2005 ضمن مشروع التحصينات الدفاعية في حوض البحر المتوسط “يوروميد”، ونفذ هذا المشروع خلال عامي 2005 – 2007  على مرحلتين: في المرحلة الأولى: تم إنجاز المخطط التوجيهي لقلعة المرقب مع كل الدراسات المتعلقة بالموقع, وإعداد دارسات ترميم لأربعة من المباني الخطرة في القلعة، وفي المرحلة الثانية تم ترميم  وتدعيم أحد المباني في القلعة وهو(مبنى السرادق الشرقي S).

ولفت إلى أن البعثة السورية الهنغارية باشرت بإطلاق مشروع بحث كبير في خريف 2007م, بمشاركة عدد من الخبراء السوريين والهنغاريين والطلاب الذين عملوا في  المجالات التالية: الآثار- تاريخ الفن والعمارة- علم الحيوان- الفخار -دراسة وترميم اللوحات الجدارية- دراسة وترميم اللقى الأثرية- التوثيق المعماري- التوثيق الفوتوغرامتري- المسح الجيوفيزيائي وال جي أي اس- الدراسة الجيولوجية- دراسة الزلازل والتأريخ بواسطة الخشب -حفظ وترميم المباني.

أهداف البعثة

وبيّن حسن أن الأهداف الهامة للبعثة هي إتاحة الفرصة لتدريب الطلاب السوريين والهنغاريين على العمل في مختلف الميادين، وإعادة تأريخ الموقع ومحيطه من خلال نتائج التنقيبات والمسوحات الأثرية مع دراسة علاقة الموقع بالمحيط، وتوفير كل المعلومات عن الحياة الاجتماعية واليومية خلال فترات الاستيطان في القلعة ومحيطها، وإظهار وتوثيق (حدود الأبنيةـ مراحل البناء ـ الوظائف الأساسية للأبنية)، وتوثيق كل المفردات المعمارية واللقى الأثرية في الموقع  بالتقنيات الحديثة، ونمذجة ثلاثية الأبعاد لأشكال المباني للمساهمة بوضع خطط الترميم والتأهيل، والمشاركة بوضع المعايير والأسس العامة لحماية الموقع من خلال المشاركة بإعداد مخططات التأهيل وإعادة التوظيف بهدف تحقيق إمكانية استثمار الموقع ومحيطه، حيث أعطت البعثة نتائج مهمة جداً في كل المجالات منها الكشف عن حدود وأساسات المباني، والوظائف الأساسية للمباني، ودراسة تفاصيل الحياة الاجتماعية واليومية مما مكن من وضع إعادة تصور لشكل المباني الأساسية ووضع الأفكار الأولية لمشروع مخطط إدارة قلعة المرقب.

كما بيّن الأهداف العامة لإدارة التراث وهي ضمان الحماية الفعالة للتراث والمحافظة عليه لأطول فترة ممكنة بشكله الأصلي، وتأهيل واستثمار التراث بما يكفل تحقيقه إيرادات للخزينة العامة، ويسهم في تنمية المجتمع المحلي، وتحديد التراث المسموح للجمهور بزيارته، وتأمين السلامة العامة لروّاد التراث.

تطوير القلعة سياحياً

ثم قدّم حسن رؤية لتطوير القلعة سياحياً انطلاقاً من نقاط القوة التي تتمتع بها وتتمثل بالأهمية التاريخية والمعمارية للقلعة باعتبارها واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى، والموقع الجغرافي المميز لها بإشرافها على مساحة واسعة من الساحل السوري وسلسلة الجبال الشرقية في المنطقة، وارتفاعها عن سطح البحر وقربها نسبياً من الشاطئ والأوتوستراد الدولي، كما أن المناخ المعتدل ساعد على القيام بكل الدراسات المطلوبة للقلعة ومحيطها، وبأعمال التنقيب الضرورية وإجراء الأسبار لمعرفة ماهية ووظائف مباني القلعة، والقيام بأعمال الترميم الأساسية للعديد من مباني القلعة وتأهيلها، كما أن القلعة مسجلة على لائحة التراث الوطني.

وأشار حسن إلى أن فرادة الموقع وتميزه بما يشكله من مشهد طبيعي مميز، شجع على التفكير بوضع ثلاثة محاور متكاملة ومترابطة يتوجب تنفيذها بتواتر زمني يضبطه المخطط التوجيهي لإدارة الموقع والمنطقة عموماً وينطلق من الدائرة الأضيق (مباني ومفردات الموقع) إلى الدائرة الأوسع (المنطقة والمحافظة والقطر).

وانطلاقاً من أهمية الموقع ثلاثية الأبعاد (التاريخية والجغرافية والبشرية) أكد حسن أنه من المفيد الاستفادة والحفاظ على المشهد الطبيعي للموقع من البحر باتجاه القلعة ومن ثم سلسلة الجبال الداخلية المقابلة للقلعة، وذلك من خلال اعتماده كمسار سياحي، لذلك يجب على المدى القريب تأهيل مركز استعلامات سياحي ومركز جباية عند مدخل القلعة (برج البوابة الرئيسي A)، واستكمال أعمال تأهيل الساحة الرئيسية X1 والقاعات المحيطة بها، وتفعيل قاعة الزيارة الرئيسية J1 بعد أن تم الانتهاء من أعمال الترميم والتأهيل اللازمة مع إمكانية الاستفادة منها كمتحف موقع أو كقاعة عروض أفلام ثقافية قصيرة أو عن قلعة المرقب، وتفعيل الموقع المقترح للكافتريا Ob بعد أن تم تأهيل  الساحة المجاورة X3 ، وعلى المدى المتوسط، التفكير بتأهيل واستثمار بناء الخان العثماني، وتأهيل بعض المنازل من الجهة الشمالية كاستراحة ومقاهي شعبية ومتحف للتقاليد الشعبية، وتأهيل واستثمار برج قلاوون الشمالي  Tviii على ضوء نتائج التنقيبات الأثرية لموسم الربيع عام 2018.

وعلى المدى البعيد أكد حسن على ضرورة التفكير بمشروع بحثي لوضع مخطط إدارة متكامل يتضمن تأهيل وتوظيف باقي أجزاء القلعة على ضوء نتائج التنقيب والأبحاث التي تمت في القلعة، كما من من المهم  التفكير بإحداث المسار السياحي (الجسر الأخضر) من البحر باتجاه القلعة ومن ثم سلسلة الجبال الداخلية المقابلة للقلعة، واعتماد مسار سياحي عام يتضمن برنامج لزيارة قلاع ومواقع القرون الوسطى في الساحل السوري.

وختم حسن محاضرته مؤكداً على ضرورة التركيز على مفهوم الاستدامة من خلال تأمين التوازن بين استمرار والاستخدام لمواقع الإرث الثقافي وعدم استهلاكه من خلال حمايته وعدم التأثير على أصالته، ومساهمة ومشاركة السكان المحليين في رسم خطوات العملية التخطيطية حتى تنفيذها.

طباعة
عدد القراءات: 3