اعتنقت السياسة الأمريكية الفكر النفعي بأدواته ووسائله ونظرياته لتطويع كل ما يخدم أجنداته، ولتحقيق المكاسب والمصالح من دون النظر للمبادئ أو القوانين مادامت تعارض مصالحها، فالنفعية مبدأ عتيق في الفكر السياسي الأمريكي، لا بل لقد قامت على أساسها الإمبراطورية الأمريكية، فالغاية والأهداف، ومنطق الغاب، وسلوكياته، تقود العقل الأمريكي لارتكاب ما هو فوق الحماقات، والتجاوزات التي من الممكن أن تصل حدّ إبادة شعب، وإحراق دول، وقيامها بإبادة شعب الهنود الحمر وقتل ما يقارب 70000 إنسان في هيروشيما خير دليل على طبيعة الفكر الأمريكي، الذي ما اختلف، ومازال يحقق حضوره البشع بالنفعية كمبدأ أصيل في فكر أمريكا السياسي القائم على الفلسفة الليبرالية المسيطرة على واقع الحال الأمريكي، وهي فلسفة براغماتية قائمة في حدّ ذاتها على مبدأ الإمبريالية (لها الحق في سلب ثروات الغير واستعباده)، حتى وقتنا الراهن، ساعدها على ذلك اعتمادها على ركائز ومنصات منظّري الفكر النفعي أمثال: «جون دوي- وليم جيمس- هربرت ماركوز… وغيرهم» من أجل تقديم بضاعتهم الفكرية والتسويق لها على أنها منتج حضاري تمكن قولبته لإشباع العقل الأمريكي، بمذهب ذرائعي/ براغماتي يعدّ (طوق النجاة لأمريكا الرأسمالية الإمبريالية).
إذاً، لا مفر من جحيم أمريكا بسياستها التي تقوم على ارتكاب الجرائم والانتهاكات، لتكون مصلحتها فوق كل الاعتبارات، فـ«أمريكا أولاً ومن بعدها الطوفان»..
لذلك، ولتحقيق فكرها النظري البراغماتي، لابد من أن تستند إلى نزعتها السلطوية، وإلى فائض القوة العسكرية والمالية التي تمتلكها لتجنيد كل الأدوات «داعش وأخواته»، واستغلال ثروات الشعوب التابعة والمرتهنة لسيطرتها، وذلك للسيطرة على مقدرات الدول، وما يخدم المصلحة الأمريكية العليا… لقد وصلت النزعة السلطوية العليا لأمريكا حدّ الغرور، لكن في غفلة أساليبها وسياستها طعنتها الشعوب الحرة التي رفضت الرضوخ لأساليبها القذرة، وجُوبهت من حلفائها وشركائها بشبه صحوة «أزمة الضمير»، بعد الكوارث والجرائم التي تمارسها واشنطن، التي لابد من أنها ستستثمر واقع الحال، وستجتهد في تدوير الزوايا، وافتعال أزمات إنسانية مصطنعة توفر لها الذرائع للتدخل في الدول المستهدفة والقاطنة في جدول أعمالها النفعية تحت شعارات إنسانية زائفة بخطط جهنمية لإنقاذ ما تم تحقيقه، وتحسين ما تم إنشاؤه (براغماتياً)، ولن يكون ذلك إلا باعتماد التدابير القسرية و«العقوبات الذكية»، التي تلزمها مساعدات ذكية لأن العقل الأمريكي مازال يضخّ نظريات تناسب اللحظة السياسية الآنية، والتدابير القسرية ليست إلا وصفات بديلة وتجميلية تخفي وجه غايتها الحقيقية، فأمريكا لا يمكنها التخلّي ولو عن بعض مصالحها بغية احترام قانون دولي أو قيمة إنسانية، وإجراءاتها الاقتصادية القسرية الأحادية ضد كل من سورية، روسيا، إيران، فنزويلا، كوبا، ليست إلا أساليب متشابهة في المضمون والمحتوى النفعي، تستخدمه في حال استنفدت أدواتها، وفشلت في تحقيق هيمنتها، فتراها تلجأ إلى سلاح العقوبات، أو ما تدّعيه «تدابير ذكية»، تدابير الهدف منها فرض مفاهيمها الواهية من (تنمية وديمقراطية وحوكمة وحقوق إنسان..)، بشعارات فضفاضة ومفضوحة النيّات، ليست إلا حروباً تنتهجها السياسة الأمريكية، للانتقام والتجويع وتركيع الشعوب الرافضة لهيمنتها.
نيلسون مانديلا يقول: إذا كان هناك بلد ارتكب فظائع لا توصف في العالم فهو الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يحمّلها أينشتاين مسؤولية حين يقول: «تفوق أمريكا عسكرياً يلقي على عاتقها مسؤولية أن تكون أمة متفوقة أخلاقياً»، لكننا نرى أن هذا ما لن تنتهجه واشنطن مادامت عقيدتها وفكرها السياسي الفلسفي مبنيين على اللاأخلاق واللاإنسانية لتحقيق المصلحة النفعية الأمريكية.

m.albairak@gmail.com

print