كانت كلمة الفلسفة تشير منذ الفكر اليوناني القديم وحتى تسرب المنهج التجريبي إلى دراسة الظواهر الاجتماعية إلى المعرفة على إطلاقها فقد كانت تعني معالجة الفكر الإنساني لكل شيء ولأي شيء في الطبيعة أو في المجتمع، في عالم المحسوس وغير المحسوس، لما هو كائن ولما يجب أن يكون، وسواء كان ذلك مرتبطاً بنظرات ذاتية أو بأحداث واقعية وبالتالي ظلت الفلسفة تعني المعرفة على إطلاقها إلى أن استقر الاتفاق على قصر استعمال لفظة الفلسفة على المعرفة اللاتجريبية وقصر استعمال لفظة العلم على المعرفة التجريبية؛ ومن هنا كان معيار التمييز المعاصر في المعارف الاجتماعية بين المنهج العلمي والمنهج الفلسفي فيكون المنهج علمياً كلما كان قوامه البدء من الواقع للانتهاء عن طريق الملاحظة والمقارنة إلى تفسير أحداث هذا الواقع والتوقع في شأنه وبالتالي فإن الأحكام التي ينتهي إليها الباحث بالمنهج العلمي هي أحكام موضوعية أو واقعية في مواجهة الأحكام القيمية التي تصدر معبرة عن وجهات نظر ذاتية لأصحابها ويكون المنهج فلسفياً حينما يقوم على مجموعة من إجراءات ذهنية تبدأ من مقدمات لا واقعية سواء كانت ميتافيزيقية أو عقلية صرفة أو عقائدية أو حتى مسلّمات أو بديهيات أو أفكار عامة للانتقال من هذه المقدمات أياً كانت إلى نتائجها المنطقية ولكي يرى الفيلسوف في هذه النتائج ما يجب أن يكون عليه الواقع الاجتماعي..

وهكذا تم وصف مناهج التفكير الفلسفية بأنها ذاتية بحلولها وذلك في مواجهة موضوعية المناهج العلمية وبأنها استنباطية بطريقتها في مواجهة الاستقراء العلمي وأنها تسعى إلى ما يجب أن يكون في شكل أنماط مثالية صالحة لكل زمان ومكان وذلك في مواجهة السعي في المنهج العلمي إلى ما هو كائن للانتهاء من خلاله إلى أحكام موضوعية لا يتأتى إلا أن تكون نسبية ذلك بأن ما يصلح لتفسير بيئة جغرافية أو حضارية أو ثقافية معينة ليس صالحاً بالضرورة لتفسير شتى البيئات.

وارتباطاً بذلك كان المنهج الفلسفي هو منهج الدراسات النمطية كدراسة القانون ودراسة الأخلاق بينما يمثل المنهج العلمي منهج العلوم الاجتماعية كعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم السياسة إلخ، وبالرغم من سيطرة الوضعية المنطقية على فلسفة العلوم خلال النصف الأول من القرن العشرين والتي شارك في بنائها العديد من الفلاسفة منهم كارناب وشليك، معتبرةً أن العلم هو الذي من الممكن تصديقه من خلال الاختبار وأن المنهج العلمي يعتمد على تصديق النظريات على ضوء ما نشاهد في الواقع وكل ما يستحيل البرهنة على صدقه من خلال المشاهدة ليس بعلم..

وبالتالي رفضت الوضعية المنطقية فلسفات الميتافيزياء كفلسفة هيغل حيث لم تقبل سوى بالعلم كحقل معرفي وكمصدر وحيد للمعرفة، لكن رغم هيمنة هذا الاتجاه إلا أن معظم الفلاسفة اليوم لا يقبلون به للكثير من الأسباب يأتي في مقدمتها هو أن الوضعية المنطقية لا تستطيع التعبير عن علمية العديد من العبارات العلمية، ما حدا بالفيلسوف كارل بوبر إلى التأكيد أن النظريات العلمية مجردة في طبيعتها ومن الممكن اختبارها فقط من خلال نتائجها وأن النظريات العلمية كما المعارف الإنسانية بشكل عام هي فرضيات مصدرها الخيال الإنساني الخلاق وهدفها حل المشاكل الفكرية حيث يرى بوبر أن الاختبار العلمي وما يتضمن من نتائج لا يتمكن من البرهنة على صدق النظرية العلمية لأن الاختبارات العلمية ونتائجها قد تكون نتيجة صدق نظرية أخرى مختلفة عن النظرية التي نحاول البرهنة على صدقها.

طباعة

عدد القراءات: 3