برحيل الشاعر ممدوح السكاف (1938-2019) في عمّان بعيداً عن مدينته حمص التي أحب والتي لم يكن يغادرها إلاّ نادراً، أمست حمص أكثر وحشة وهي تفقد مبدعيها على التوالي خارج سورية. لا أعتقد أن أحداً من الذين مضوا في طريق الكتابة الأدبية إلاّ وله ذكريات مع الشاعر السكاف المُحب للجميع، الودود والمشجع لكل صاحب موهبة أدبية، كان يفرح بما ينتجه الأدباء وكأنه صاحب هذا الإنتاج، أذكر أنني رأيته أول مرة ولم أكن أعرف من هو، رأيته في شارع شكري القوتلي أمام مكتبة السباعي لبيع الصحف والمجلات، كيف كان يمسك الصحيفة يتأملها بارتباك بحثاً عن شيء ما، رأيته أكثر من مرة بالمشهد ذاته، ثم علمت منه فيما بعد أنه كان يتابع ما قد يكتب عن ديوانه ” في حضرة الماء”، ولا زلت أذكر أن أول مرة استمعت فيها له يلقي شعره كان بأمسية مشتركة مع صديقين له يشكلون مشهداً شعرياً بارزاً في سورية، وهما الشاعران عبد الكريم الناعم ومصطفى خضر، أمدّ الشعر بعمريهما.

كان الشاعر السكاف محباً لعمله الإداري كما حبه لعمله في تدريس اللغة العربية، وقد شغل مناصب عدة، من أهمها في العمل الثقافي إدارة المركز الثقافي، والمكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب الذي ظل في إدارته لأكثر من عشرين سنة، يعدّ الأماسي الشعرية والقصصية والندوات السنوية التي تعنى بشؤون الإبداع الأدبي والنقدي، يعدّها بدأب لا مثيل له. من طيب الذكريات معه كان يمازحني كلما زرته، منذ أن علم بطريقة تدخيني غير الشرسة، بالقول أنت مدخن فاشل متى ستصبح ناجحاً مثلي، إذ كانت السيجارة نادراً ما تفارق أصابعه وفمه، إلاّ أن آخر عهدنا به في حمص قد أقام فراقاً أبدياً بينهما.

من المشاريع التي حزنت عليها ولم نستطع أن ننفّذها معاً ما كان قد اقترحه عليّ مراراً كلما مشينا معاً خارج مكتب اتحاد الكتّاب، أن نوثّق بالصور بيوت وقبور شعراء حمص الراحلين، أن أمضي بصحبته ليرشدني إلى ما كان يعرفه ولنسأل عما نجهله، ولأن الشاعر الراحل بطيء في تنفيذ مشاريعه جاءت الحرب ومنعتنا من تنفيذ الفكرة وأزعم أنه سافر في منتصف عام 2013 عندما بدأت خيانات الجسد تتحكم في حياته، سافر إلى أحد أبنائه، فانتهت مسافة للممكن وابتدأت مسافة الرحيل، فخسرنا ردك للسلام المشحون بالمحبة ” أهلين يا أبي”.

إصدارات وآراء         

أصدر الشاعر الراحل المجموعات الشعرية التالية: مسافة للممكن، مسافة للمستحيل. في حضرة الماء. انهيارات. فصول الجسد. الحزن رفيقي. على مذهب الطيف .الصومعة والعنقاء.  وله ديوانان في شعر الأطفال نشيد الصباح. شواطئ بلادي. و كتاب عبد الباسط الصوفي: دراسة في حياته وشعره وانتحاره. ومخطوط لعله أنجزه ولم يضع في دوامة هذه الحرب عن الشاعر عبد السلام عيون السود. وكان الراحل قد بدأ بكتابة القصة القصيرة لكنه وجد نفسه خارج إمكانية الاختلاط بجموع الناس في الشارع والمقاهي والأمكنة العامة لكي يتصيد شخصيات قصصه وحكاياتهم، فآثر الاتجاه نحو كتابة الشعر، وفق ما أسرّ لي ذات حوار صحفي.

وتجربة الشاعر الراحل ممدوح السكاف في رأي شعراء ونقاد تستحق الدرس النقدي والتأمل، ونقتطف مما قيل فيها ذات ندوة تكريمية. إذ رأى الشاعر والناقد د. سعد الدين كليب أن تجربة السكاف تمثل واحدة من التجارب المختلفة في نمطها الجمالي وفي دوافعها النفسية وفي استراتيجيتها الاجتماعية عن الكثير من التجارب الشعرية في الشعر السوري، بدءاً من الستينيات. وتتحدد تلك السمات بثلاث سمات أساسية، هي: الحسية، والنفسانية، والوجودية. أمّا النزعات الضاغطة على تجربة السكاف فهي في رأي د. كليب نزعات معنوية وفنية، حددها بخمس: النزعة الفردية ذات المنحى الرومانتيكي، والنزعة الرؤيوية، والنزعة التخيّلية، والنزعة اللفظية، والنزعة التجريبية. وهي ليست خاصة بالشاعر السكاف غير أن اجتماعها بهذا الشكل والنسبة هو الذي يجعلها خاصة بالسكاف دون سواه.

ويرى الشاعر حسان الجودي أن الكم القليل نسبياً الذي أنتجه الشاعر السكاف على مدى ثلاثين عاماً يشكل إنتاجاً شعرياً نوعياً يجعل من الشاعر معلماً من معالم الشعر السوري الحديث، ويجعل من تجربته الشعرية نموذجاً ناضجاً باهراً يمكن من خلاله رصد تحولات الشعر العربي الحديث. وكان قد رأى الراحل د. خليل الموسى أن القارئ يقع على ثلاث صور للمرأة في شعر السكاف صورة المرأة المثال، وهي أنثى فوق بشرية (أسطورية ـ ليست واقعية) قادرة على تخليص الإنسان مما يعانيه وإعادة الخصب إلى الطبيعة التي ماتت عروقها، والصورة الثانية هي صورة المرأة الجسد فالسكاف من شعراء اللذة فهو يصور المرأة بمهارة كأبي شبكة وخليل حاوي وبودلير وهو شاعر بودليري يبتهج إذا علا فحيح الجسد في حين أن سواه يرتعد هلعاً في هذه اللحظة وثمة صورة ثالثة هي المرأة الغربية (لورا) التي كتب لها قصيدة في ديوان (في حضرة الماء) فيها من صفات المرأة المثال.

وعن تجربته في كتابة قصيدة النثر التي تجسدت في ديوانه الأخير (الصومعة والعنقاء) رأى د. رضوان القضماني أن الديوان تجربة شعرية جاءت لتؤكد مقولة تحويل الرؤيوي الى فضاء نوراني يقدم لنا صوراً لم نتخيلها وهي تجربة تؤكد أن الشاعر دائب البحث عن جديد يفتح ما أوصد في وجهه من أبواب وهي تصور نوراني علوي تلتحم فيه الذات بداخلها وتذوب فيه مندغمة مع وحدتها وغربتها إيقاعها الداخلي يخلق غنائية خلفتها لغة عبر تشكيلات دلالية مبتكرة تقوم على تقابلات بين النور والظلمة.

 

 

 

طباعة
عدد القراءات: 8