لا يمكن الحديث عن ثقافة سياسية مع طغيان النظرة الأحادية إلى واقعنا العربي وانقساماته العالقة في خنادق التخوين، والتخوين المضاد واختزال مفهومات الوحدة العربية في خرائطها الجغرافية وفقدان الحد الأدنى من قيم العدالة والقانون والديمقراطية وحقوق الإنسان, ولن تستقيم أوضاع هذه الثقافة إلا إذا انفتح أمامها أفق الحوار تمهيداً لفتح أبواب الخروج من أصفاد الأمية السياسية واستبدادها تحت مختلف الشعارات الدينية والسياسية .
وفي ذلك يجب أن ندرس المعوقات والتناقضات التي اصطلحت عليها السياسة العربية في القرن الماضي بالرجعية والتقدمية حتى انتهت بتفجير أخطر التحديات الراهنة, وتوسيع الفجوات الثقافية والمعرفية في صراعات تركت تأثيرها الواضح على أمراض الفشل التاريخي للنظام العربي بدءاً من «كامب دافيد» وانتهاء بنتائجه وتفاعلاته وتشابكاته المعقدة وما يرتبط بها من ظهور حركات التدين السياسي ودورها المساند لنشوء حركات العنف والتكفير وامتداد تأثيرها في ظاهرة العنف السياسي الأهلي وحدّة التوترات الطائفية والمذهبية.. وصولاً إلى هبوط الثقافة السياسية إلى حضيض متشائم لا يخفى على أحد من خلال ما نراه من استبدال صورة العدو بعداوات داخلية أسقطت مفهوم التفكير السياسي القومي وانهياره المتسارع في ظل انقطاع الثقافة السياسية عن ثوابت منظومتها في وحدة الأرض واللغة والتاريخ والهوية.
وإذا كانت مفاوضات التسوية والصلح مع الكيان الصهيوني تطالب المشروع العربي للسلام بتجاوز حساسيات الماضي وحروبه والتأسيس لخطاب سياسي جديد عنوانه: الاعتراف بواقع الاحتلال وإضفاء الشرعية على وجوده الزائف فإن سؤال الحوار وثقافتنا السياسية هو: ماذا فعلنا منذ انفجار التناقضات الدينية والاجتماعية والسياسية على أرضنا ؟.. وأين التضامن العربي والإسلامي الذي يحمي أبناءنا وأحفادنا من جنون الفتن الدينية وأحزمة المتكلمين باسم الدين؟ وماذا وراء الصمت عن فتاوى التخوين والتكفير إلا أن يكون هذا التطرف في نظر الصامتين مشروعاً لقيادة الحاضر والمستقبل, أي لتجزئة العالم العربي وقيام إمارات ودويلات لا مكان فيها للعقل السياسي وثقافته ولا مكان فيها للاجتهاد الديني وأصالته. ويمكن القول أن لا فاعلية لأي حوار من دون تبديد المخاوف المتبادلة من جهة، وتصويب البوصلة باتجاه قضيتنا الكبرى بفلسطين وقدسها المعلق على وجوب وحدتنا الثقافية والسياسية وسلامنا الداخلي ومواجهة الاحتلال واختراقاته التي تستثمر في اختلافاتنا وقد بلغت ذروتها في إسقاط التزاماتها القومية بقدسنا الشريف تحت شعارات لا علاقة لها بشروط السلام العادل والشامل.

print