لقد تجمعت في شخصية ابن خلدون العناصر الأساسية النظرية والعملية التي تجعل منه مؤرخاً حقيقياً رغم أنه لم يول في بداية حياته الثقافية عناية خاصة بمادة التاريخ ذلك أنه لم يراقب الأحداث والوقائع عن بعد كبقية المؤرخين بل ساهم إلى حد بعيد ومن موقع المسؤولية في صنع تلك الأحداث والوقائع خلال مدة طويلة من حياته العملية وضمن بوتقة جغرافية امتدت من الأندلس وحتى بلاد الشام..

فقد استطاع ولأول مرة أن يوضح أن الوقائع التاريخية لا تحدث بمحض المصادفة أو بسبب قوى خارجية مجهولة بل هي نتيجة عوامل كامنة داخل المجتمعات الإنسانية لذلك انطلق في دراسته للأحداث التاريخية من الحركة الباطنية الجوهرية للتاريخ، فعلم التاريخ وإن كان لا يزيد في ظاهره عن أخبار الأيام والدول إنما هو في باطنه تأمل وتحقيق وتعليل دقيق للكائنات ومبادئها وعلم عميق بكيفيات الوقائع وأسبابها لذلك فهو أصيل وعريق في هذا العلم وجدير بأن يعد في مقدمة علمائه ومفكريه فهو وإن لم يكتشف مادة التاريخ إلا أنه جعلها علماً ووضع لها فلسفة ومنهجاً علمياً نقدياً ونقلها من عالم الوصف السطحي والسرد غير المعلل إلى عالم التحليل العقلاني والأحداث المعللة بأسباب عامة منطقية ضمن ما يطلق عليه الآن بالحتمية التاريخية وذلك ليس ضمن مجتمعه فحسب بل في كل المجتمعات الإنسانية وفي كل العصور وهذا ما جعل منه أيضاً وبحق أول من اقتحم ميدان ما يسمى بتاريخ الحضارات أو التاريخ المقارن ومن شواهد كلامه في هذا الإطار: “إني أدخل الأسباب العامة في دراسة الوقائع الجزئية، وعندئذ أفهم تاريخ الجنس البشري في إطار شامل”.. “إني أبحث عن الأسباب والأصول للحوادث السياسية”. كذلك قوله “داخلاً من باب الأسباب على العموم على الأخبار الخصوص فأستوعب أخبار الخليقة استيعاباً، وأعطي الحوادث عللاً وأسباباً”.

print