كنسائمَ باردة في ليلةٍ صائفة، تنساب سيرة حياة الشّاعر الأمير أبي فراس الحمداني، رغم أنها موجزة في كتاب صغير، وُسِم بكلمة «للفتيان» إذ يكفي أن تضيئها قصيدةُ: أراك عصيّ الدمع شيمتك الصّبر، وأن تتدفّقَ فيها قصائدُ «الرّوميّات» الطافحة بالحنين إلى الوطن والحرية، وحين أطوي الكتاب يباغتني الغلاف بصورة الشاعر، صاخبة الألوان، غزيرة الخطوط، مكتظّة التموجات، خالية من الخصوصية التي تشير إلى زمانٍ، أو مكانٍ، أو ثقافةٍ في الأزياء، تشير إلى شخصيةٍ كان صاحبها فارساً وأميراً على منبج وشاعراً فريداً وشهيداً على يد «قرغويه» مولى ابن أخته أمير حلب الذي لحق به إلى حمص وقتله على مشارفها! ودهمتني صورة أخرى للفارس نفسه على طابع بريدي، كرّمته به سورية، بدا فيه ناحل الوجه، متّقد العينين، على رأسه عمامة أنيقة تزينها درّة كبيرة، فوق رداء عسكريّ، وبين الصورتين فوارق تكاد تجعل الفارس صاحب وجهين مختلفين!. نحن أبناء ثقافة خلت من النحت والتصوير دهوراً من الزمن، قبل اختراع آلة التصوير التي لا تحتاج إلى إزميل ولا فرشاة وألوان زيتية، وفي حين عرفنا أسارير سقراط الدقيقة، من تمثاله الذي اعتُمد من فنانين تتالت أزمنتهم بعده، ووجهَ ليوناردو دافنشي بريشته في عصر النهضة، اعتمدنا، لابدّ، على الخيال في تخليق ملامح أَعْلامِنا! وهو خيال غير جَمعيّ بل صناعة فنان مدرسيّ، ربما مرّ بمعلومات عابرة عن صاحب الوجه المرسوم كالجاحظ وعينيه والطرائف التي رواها عن نفور الناس من شكله، وما عدا هذا تاهت وجوهٌ في مزاج الرسام اللحظي، حيث نرى المتنبي والفارابي ومحي الدين بن عربي والسُّهْروردي وابن ماجد وابن خلدون والبحتري وأبا نواس، وما لا يُحصى من رموز ثقافتنا العظيمة، بوجوه تخلو من لمسات الفن الرفيع، كأنها مجرد وسائل إيضاح ورسوم تقريبية، وإلا لماذا يمهر خطّاطٌ بارع، لوحاته، بتوقيعه، بينما تمرّ الوجوه المذكورة مرور الكرام كأنها «أفيشات» أفلام سينمائية من دون توقيع ومن دون تبنٍّ؟. لا أعتقد أن تعويضنا لغياب وجوه كانت من أصل وهج حضارتنا، قد كلّف المهتمين والقائمين على المؤسسات الثقافية (أتحدث عن القرن الماضي) لإقامة ورشات عمل يشارك فيها نقادٌ ومؤرخون وفنانون لصياغة «بورتريه» لعلَم من أعلامنا، لأنه يعطي الملامح العميقة، الثابتة، لصاحبه، بحيث لا نرى لهذا العلَم عدة وجوه، وبعضها أميَلُ للجمود والفاقة والغياب وراء غبار التاريخ! نعم! نحب أن تكون هذه الوجوه، جميلة، ومتألقة، ونابضة بالحياة، على شاكلة إبداعها!.

print