قال لي زميل ممن كنا نسميه ابن بطوطة لكثرة أسفاره ومهماته الصحفية شاكياً: في القريب من الزمن وقبل أن ينتقل الغرب المتحضر إلى المرحلة المتقدمة في حربه علينا في تشديد محاصرتنا اقتصادياً. حينها كنا نغادر في إيفاد خارج البلاد ونقبض بدل الإيفاد بالدولار ونزور الأشقاء ومثلهم دول التحضر.
كنا نرتاد أسواق الدول التي نزورها بقصد شراء بعض الهدايا فنزور المحال التجارية والمولات والأماكن السياحية وننتقي هذه السلعة أو تلك وصولاً إلى الحيرة في لون الزرقاء أو البيضاء لكن عندما يحين وقت دفع المال ونحسب ما في الجيب يذكرنا «الغيب» أن ما نحتاجه أكثر ضرورة, وبالطبع كان ينتصر الغيب في سلوكنا لأن حاجاتنا أهم من رغباتنا ولاسيما أن الحصول على المهمة كان ميزة لا يحصل عليها إلا ذوو الحظوة في أي مؤسسة وأنا منهم معترفاً! وبعد العودة من السفر كنا نبيع أهلنا شرح الصور أكثر ما كنا نفرحهم بالهدايا!.
يتكرر اليوم سلوكنا الذي كنا نخافه خلال السفر, لكن داخل البلاد ليس لأننا نخشى انفاق ما في الجيب ولكن لأن الراتب لم يعد يسد إلا واحدة من حاجاتنا وأحياناً لا يكفي وفي المقابل فإن الحاجات متعددة وتحتاج عدة رواتب وليس راتباً واحداً ومع إن بعض العائلات يعمل كل من فيها خصوصاً من تجاوزوا مرحلة الدراسة إلا أن دخل الأسرة بالكاد يكفي لسد حاجاتها الأساسية, فأجرة المنزل تكاد تحتاج أجرين من دخل الأسرة, والغذاء المتواضع جداً لا يكفيه أجر ثالث من دخل الأسرة وليقتصر الدخل الرابع في حال وجوده على دفع الفواتير الأساسية لحاجات المنزل من الكهرباء والماء والاتصالات.
يكمل ابن بطوطة: قبل عدة أيام نزلت إلى السوق لشراء عدة حاجات أساسية وفي كل مرة كنت أفاوض البائع على ثمن سلعة ويقبل البائع بالسعر الذي أضعه وعوضاً عن الموافقة والشراء أتراجع في اللحظة الأخيرة عندما أتذكر أننا مازلنا في أول الشهر وحاجتنا الغذائية والتنقل للوصول إلى أعمالنا أهم. أكثر من مرة ولأكثر من سلعة تكرر الحدث من دون القدرة على اتخاذ قرار الشراء وبدا الراتب كالجمر الذي يحرق يدنا عند محاولة تحسسه فما أن تمسك الراتب بيدك حتى تشعر بالجمر يحرق أصابعك فتترك الراتب من يدك أو تتخذ القرار وتسلمه لواحد ممن ينتظرك لحرق أصابعه هو الآخر.

print