– لماذا يفشل الشعراء في رسم قصيدة تزيل ما علق من غبار على وجوه المارة، بمعنى آخر: لماذا فشل الشعر المعاصر في أن يكون ذا جدوى على مسرح الصراع العالمي!!..
أستميح الشعر عذراً إذا طالبناه بإيفاء الدين لمن أقرضه اللغة ليكون أميراً على المفردات، ولكن هل ما تفرع عن اللغة من علوم أخرى رد الدين إلى الإنسان حتى يفعلها الشعر!!..
سنتفق على أن العلوم جميعها نعمة، ولنسأل عمن جعلها نقمة: هو الاستفسار عن الجاني ما يسوغ لمن يمتلك زمام كلّ مفردة من العلوم أن يعلن الحرب على الشعر!!..
– مهمة الشعر ترتضي بأن يكون حارساً لحسن سير عمل ما تمّ تصنيعه من مفردات داخل مراجل العلم، يفضح من يسخرها لنزواته، ولن يستجدي منه التوبة في لحظة ضعف قد يصيبه منها بعضاً من وهن، وهناً يفترض أن يكون عابراً لتستمر ملكة الإبداع في الدفاع عن ذاتها الممثل بالرفاه، العدالة، والقيم الأخلاقية العليا للإنسان.. العلوم في مجملها تمتلك الطموح ذاته، لكنها خاضعة لقرار السوق، لهذا يسهل استغلالها لمصلحة من يمتلك الأكثر من المال.. الشعر يدّعي عدم شغفه بالعبودية، هو سيد بذاته ولذاته، رأسماله لغة يمتلكها شاعر يعي ما يدور حوله، يفلسف من خلاله الواقع، يحوله إلى جمال ليسهل على من خانتهم المنجزات العلمية المطالبة بترميم الجراح من داخل قواعد العصر.. مشكلة الشعر الأولى هي غياب شواغر القواعد الأصيلة من رحابة هذا العصر، صار كلّ شيء مباحاً، ولا أحد يمتلك شيئاً مما هو متوافر في العلن إلّا المجازات القابلة للإيهام، التنقل، التخفي داخل أدراج من يحاربون الشعر.. مشكلة الشعر الثانية أنه دخل الحرب من دون دافع من تحدٍ، أو مشروع، أو لغاية امتلاك طرف ما في المعادلة، فتم أسره، ونفيه بعيداً عن الشعراء..
– يقول الشعراء: في التيه تفقد اللغة توازنها، تصبح الإشارات خارج القصد، ويزول المعنى..
– يقول الشعر: في منفاي راحة الجاهل بقصدي، كلانا أضاع البوصلة، فصرنا أغراباً، كلانا يبحث عن الآخر بينما الحرب تجوب البحار بحثاً عنا..
– يقول الشعراء: لن نقامر بالدفاع عن كلينا، قد تصبح البراءة إدانة، ولكن ألّا تصح مرافعة ما جعلنا داخل الاتهام على أيّ نسق من العلوم الأخرى؟.

print