تواجه بعض الزراعات المهمة التي امتازت بها بعض المناطق وحملت اسمها كدلالة وميزة تمنحها إشارات عبور من خلالها نحو الأسواق وتدفع بالمستهلك أحياناً للبحث عنها، تواجه مشكلات عديدة تأتي في مقدمتها التسويق كمأزق بات يشكّل هاجساً يؤرق المزارعين من موسم لآخر ينتهي غالباً بمأساة حقيقية تتمثل بأن يترك الفلاح محصوله على الأرض أو على الشجر كما يحصل للحمضيات الساحلية، وها هو التفاح على الطريق يواجه اختناقات التسويق وتكدس إنتاجه في البرادات عرضة للتلف ومن قبله الفستق الذي تصدر بزراعته المرتبة الأولى عربياً والثالثة عالمياً ليصطدم مزارعوه بفتح باب استيراده بذريعة التقيد باتفاقيات التجارة الحرة وإغراق السوق من مثيلاته المستوردة بعيداً عن الحماية لهذه المنتجات من الإغراق مادامت موجودة ومتوافرة في الأسواق المحلية كمنتج وطني بامتياز.
وأحياناً كثيرة لبعض الخضراوات، عندما يتعثر تسويقها ما يعرّض الكثيرين منهم للخسائر الفادحة ويوقعهم في عجوزات سداد القروض المستدانة من المصارف وأمام سداد أجور العمالة وأمام هذا العجز المدور من موسم لآخر وتراكم للمصيبة يقع المزارعون في حيرة من أمرهم، ولاسيما أن الفلاح مفطور على الزراعة يبدأ مسيرة البحث عن البدائل واللجوء الى الزراعات الرديفة أو حتى أي محاصيل أخرى التي بدورها تفتقد الخطط الزراعية وطرق الزراعة والعناية بعيداً عن الحماية وحتى إن الكثير من هذه الزراعات تحتاج أيضاً لخطط تسويقية كي لا تواجه هي الأخرى المصير ذاته، ويقع المزارعون في مشكلات أخرى كعدم ملاءمته لطبيعة الأرض والمناخ في حال استبدال زراعاتهم الأساسية التي اشتهرت وتميزت بها تلك المناطق وحملت اسمها كميزة تفضيلية وعلامة فارقة، وبذلك نكون قد خسرنا مرتين بفقدان الكثير من الزراعات ونعود بذلك معنيين ومزارعين إلى نقطة الصفر والدوران في حلقة مفرغة (وينطبق عليهم بذلك المثل القائل من يغيّر كاره يقل مقداره) ويخرج الجميع من المولد بلا حمص وكان الأجدر حينها بدل مراكمة الاختناقات والعجوزات أمام الجميع حل المشكلات التي باتت تؤرق المزارعين أمام ارتفاع تكاليف الإنتاج ومستلزمات الزراعة وتوفير ودعم الفلاحين بتوفير هذه المستلزمات وتوفير الأسواق المناسبة لتصريفها عبر تشجيع الصناعات الزراعية وإقامة المنشآت التي تمتص فوائضها عبر تصنيعها وبما يحقق ربحاً مضاعفاً من خلال تحقيق القيمة المضافة منها بدلاً من أن يتركها الفلاح في الأرض أو على الشجر ويهجرها نحو بدائل مجهولة المصير.

print