ذكر أحد أساتذتنا أنّ أهمّ المعايير المعتمدة في تقدير قيمة الشعر ماثل في أنّ الشعر الأفضل هو ذلك الذي يظلّ محتفظاً بـ (شعريّته) بعد ترجمته إلى لغات أخرى، وعليه تساءل الأستاذ عن المتبقّي من شعريّة معظم شعرنا العربي القديم بعد ترجمته إلى اللغات الأخرى. وبعض المتوفّر في مكتبتنا العربية من شعر مترجم يدعم هذا الرأي بأمثلة تذهل القارئ بما ظلّت تزخر به، من طزاجة شعورية، ورونق بكر، وجميع ما يجعل الشعر شعراً، كما في تساؤل بابلو نيرودا: (لماذا هي قاسيةٌ هكذا حلاوةُ لبّ الكرز؟ هلْ لأنّ عليها أن تستمرّ، أم لأنّ عليها أن تنتهي؟) لا يقف الأمر عند هذا المثال الذي يظلّ يتيماً إذا لم يتدعّم بسواه. مع الاعتراف بصعوبة ملاحقة النصوص الشعرية العربية المترجمة إلى لغات أخرى، واختبار المتبقّي من (شعريّتها) بعد الترجمة في ضوء الفكرة النقدية المطروحة آنفاً.
تأثر السيّاب وسواه من الروّاد بالآداب الغربية التي تشبّثت ظلالها بإنتاجهم، من غير أن يُعدّ التأثّر عيباً، بل ربما كان العكس هو الصحيح، بمعنى أن الشاعر العاجز عن التواصل مع الحركة الشعرية على المستوى العالمي يظلّ عالقاً بالاجترار، ومحدودية الأفق، ولكن للمسألة وجهها المتعلّق بتجاوز التأثّر والمثاقفة إلى الوقوع في براثن السرقة المباشرة الماثلة لدى عدد من الشعراء والروائيين العرب الذين يعرفون لغات أخرى بالتوازي مع اقتناعهم بأن القارئ العربي عاجز عن اكتشاف ما اقتبسوه، أو سرقوه من الثقافات الأخرى، لا أكتم إعجابي بهذه الافتتاحية البديعة التي اعتمدها سان جون بيرس لـ (أناباز): «ولقد وُلد مهرٌ تحت أوراق من البرونز/ رجل غريب ألقى في راحاتنا بذوراً مرّة ومضى/ هوذا ما يُحدث لغطاً في الأقاليم/ أحيّيك يا فتاتي تحت أجمل شجرة من أشجار العام». ترجم أدونيس لهذا الشاعر عدداً من الأعمال، وفي زعمي أن التقنية التي اعتمدها أدونيس في (مقدّمة لملوك الطوائف) مقبوسة عن طغيان الإدهاش وطوفانه في عدد من الأقانيم الوجودية العميقة التي افتتحتْ (أناباز). يقول أدونيس: «وجه يافا طفل/ هل الشجر الذابل يزهو؟/ هل تدخل الأرض في صورة عذراء؟/ من هناك يرجّ الشرق؟/ صوت شريد..» مع استمرار التقنية بطريقة تعتمد التنويع على الوتر الواحد عند محمود درويش: «إنك الأخضر، لا يشبهك الزيتون، لا يمشي إليك الظلّ، لا تتّسع الأرض لرايات صباحك».

print