في 17 نيسان الماضي احتفلت سورية الصامدة المكافحة بذكرى الجلاء، إذ تحين ذاكرة الكفاح الوطني الذي تحررت بموجبه وما زالت تستكمل نضالها ضدّ الأشكال الجديدة للإمبريالية.. في هذا الوقت لا شيء يشغل «المعارضة» سوى كيف تعوق انعتاق سورية من المؤامرة الجديدة لأنهم يدركون أن انتصار سورية سيكشف تفاصيل نذالتهم ويقذف بهم في مزبلة التاريخ كرعيل الخونة في كل جيل.. قيمة عيد الجلاء هي اليوم أكبر من أي وقت مضى.. لأنّها ذاكرة التّحرر التي تحوّلت إلى ذاكرة حيّة مُعيشة.. فسورية ما زالت تخوض معركة التّحرر في أخطر مستوياتها، وهو كفاح فاق حتى زمن الانتداب نظراً لقوة المؤامرة والحصار والفتك والإرهاب الوظيفي والمغالطات التي خرّبت كل حقائق التّاريخ.. تحررت سورية وانتصرت وهي ما زالت تنتصر.
كنا ننتظر ممن تسمي نفسها «معارضة سورية» خارجية أن تحتجّ على أزمة المحروقات في سورية دفاعاً عن الشعب الذي ادعت النطق باسمه خلال كلّ ملاحم التحريف «الثورجي».. هذا الذي يوجد في سورية هو معظم الشعب السوري، لكن «المعارضة» تتمنّى أن يموت معظم الشعب السوري لتظفر بالسلطة على دبّابة رجعية وبشعب بديل من الأفغان العرب ومتمردي الشيشان وبقايا «القاعدة».. ليس في أجندة هذه «المعارضة» الحمقاء ما يرفع الحصار عن شعب صمد في ظروف هي الأصعب في تاريخ حصار الشعوب والأمم.. «أصدقاء» الشعب السوري وفق إخراج «الإخوان» يساهمون اليوم في هذا الحصار ويباركونه.. وفي الوقت الذي ينعى العالم حادثة كاتدرائية نوتردام دي باري- وهي معلم تاريخي مهمّ- تسعى «المعارضة» لتسويغ كل ما فعله الإرهاب في سورية بحق الكنائس التي لها امتداد أقدم في التّاريخ.. «أصدقاء سورية» يتحرشون بالجولان السوري المحتل ويُمعنون في الحصار.. الحصار هو ابتزاز للشعوب ومقايضة لحريتها وسيادتها.. هو البديل عن «ثورة» ملتبسة.. فالذي يجوّع الشعب السوري بالحصار الخارجي هو من زعزع أمنه بوساطة الفوضى.. هل تملك «المعارضة السورية» اليوم وجهاً لعدّ هذا الحصار جزءاً من «دمقرطة» سورية و«تحرير» شعبها؟!
لقد تبيّن أنّ ما كانوا ينوون تصديره لسورية ليس هو الديمقراطية والحرية بل الجوع والحصار والتجزئة والهزيمة.. مشكلة «المعارضة السورية» هي الرغبة الجامحة في استلام الحكم، مع أنّ الشعب السوري لن يقبل بحكومة «الإخوان» أو أدوات «النّاتو» المتلبرلين.. إنّ سبب حقدهم على روسيا وإيران هو لأنهما ساهمتا بفعالية في إفشال كلّ محاولات تجريد سورية من أسباب القوة ليسهل ابتلاعها «إخوانياً» وإمبريالياً.. وقد يكون من الإسفاف أيضاً عدّ أنّ إيران قد فعلت ذلك لمنع مشروع «الإخوان» بل هي فعلت ذلك كما فعلت روسيا لأسباب استراتيجية تفوق خيال «الإخوان» باعتبارهم أدوات رخوة سرعان ما تحولت إلى أدوات عنيفة بدءاً ممن يسمى «الجيش الحرّ»- الذي انضم إليه شباب من «الإخوان»- وانتهاء بـ«النصرة» و«داعش» في تطور ذُهاني للعنف.. لقد تغنّى «الإخوان» كثيراً بالدم في سورية وصدحت أنشوداتهم بجداول وسيول دم في الشام، فهم جاهزون بالمزاج لحمام دم في سورية من أجل أن يحكموا وينتقموا.
يبقى السّؤال: هل في الإمكان أن تحصل مراجعة حقيقية أو مصالحة بعد أن فقد «الإخوان» كل أمل في تحقيق حلمهم بابتلاع سورية؟
في الحقيقة، لا يبدو أن «الإخوان» مستعجلون، فهم أغنى فئة في المنفى.. هم ليسوا أولئك اللاجئين المساكين الذين هجرتهم الحرب والإرهاب والتغرير.. هم ماسكون بعصب الاقتصاد في العواصم التي بنوا فيها مستوطناتهم، ولكنهم ظلوا حصان طروادة ينفذ غزواته عند كل تمكين.. فالساعة البيولوجية «للإخوان» مؤقتة على السياقات الجيوسياسية.. قبل سنوات طلب منّي بعض الأصدقاء وبعد عامين من الأزمة الانخراط في وساطات وحوارات مع تلك الجماعات بقصد المصالحة.. وكانت أوراقي قد احترقت بعد أن أدركت الأبعاد الثأرية لهذه الجماعات.. وكانت هناك مبادرات أخرى لم تعد مجدية.. لقد آمنت بالحلّ العسكري لأنّ اللعبة قد تعسكرت منذ البداية.. وكل مبادرة لإيقاف الأجندة العسكرية لسورية ضدّ الإرهابيين كنت أفهم منها- كما فهم منها السوريون أنفسهم- أنها خداع ومحاولة لربح الوقت..
يتقلص وعي «الإخوان» إلى أقصاه حين يتحدثون عما يسمونه «التغلغل الإيراني» في سورية، وهذا شيء مضحك تماماً لأنّنا لم نشعر يوماً بأن إيران تتدخّل في القرار السوري.. ثم يتقلص الوعي حتى يلتقي مع خطاب «النصرة» و«داعش» فتتحول القصة إلى طائفية تافهة تجاوزها الشعب السوري بتربية قومية مع وجود جيوب «إخوانية» تشدّ المجتمع إلى مستنقع الطائفية النقيض لمفهوم الدّولة.
لقد لعلع صوت «الإخوان» خلال زمن «الثورجية» واكتملت الكتلة التّاريخية الرجعية لتحقيق الانقلاب الكبير، لكن سرعان ما انهارت أحلام اليقظة وبدأت حقائق الواقع تصدم الإنشاء «الثورجي».. ما زال «الإخوان» متعجرفين يرفضون الواقع، هائمين في معجم لفظي ثابت.. فالذي رفض الحوار طوال هذه السنوات هم «الإخوان»، لأنهم كانوا في وضع مريح جدّا، وهم رتّبوا حياتهم على ألا يعودوا إلى سورية إلا إذا حكموها.. ومن هنا، فهم غير معنيين بالحصار ولا بأي تهديد تتعرض له سورية على مستوى أمنها ووحدتها الترابية وسيادتها.. تكفي «الإخوان» حكومة فقط حتى لو في الغوطة وحدها..

كاتب من المغرب

print