هناك مقولة شهيرة (ولعلها حكمة) يرددها خبراء التنمية البشرية تقول: «انظر إلى النصف الممتلئ من الكأس» لكن هذا النصف الممتلئ يختلف من شخص إلى آخر، ومن زاوية نظر إلى أخرى.
لو طبقنا هذه المقولة على الانتخابات المحلية التركية، فسنجد أن النصف الممتلئ من زاوية نظر حزب «العدالة والتنمية» هو فوز أردوغان وتحالفه في الانتخابات على مستوى الدولة التركية بنسبة تزيد على ٥١٪ من الأصوات، وتالياً فهو يعد فائزاً حسب قوانين الديمقراطية الليبرالية.
أما تحالف المعارضة فيرى النصف الممتلئ من الكأس متمثلاً بالفوز في اسطنبول، وأنقرة، وأزمير، ويجد في هذا الفوز دليلاً على تراجع شعبية أردوغان وحزبه، وخاصة أن أحد الخاسرين هو بن علي يلدريم الذي يعد أحد أقطاب حزب «العدالة والتنمية»، ويرى تحالف المعارضة أن هذا الفوز رسالة شديدة اللهجة تؤكد قدرته على هزيمة أردوغان وحزبه في الانتخابات التشريعية المقبلة.
ما بين أردوغان ومعارضيه يبدو الكأس التركي ممتلئاً عن آخره، فلماذا استهلكت نتائج الانتخابات التركية كل هذا الوقت والجهد من مثقفينا وإعلامنا؟
ربما انفعل الكثيرون أكثر مما يجب وهم يرون أردوغان يخسر في عقر داره، اسطنبول، ونحن معذورون في انفعالنا، فدور هذا الشخص فيما أصاب ليبيا والعراق، وبشكل خاص سورية حوّل الأمور بيننا وبينه إلى أكثر من خصومة سياسية تحولت إلى حالة من الكراهية الشخصية، وقد نكون محقين في ذلك!
سأنتقل إلى مثال آخر وهو الانتخابات الإسرائيلية التي حظيت هي الأخرى باهتمام يوازي أو يفوق ما نالته الانتخابات التركية، وانقسمنا بين مؤيد للمشاركة العربية أملاً بإسقاط نتنياهو، ومعارض للمشاركة غضباً من انفضاض عقد القائمة العربية الموحدة، ومعارض مبدئي يرى في المشاركة تكريساً «لشرعية» الكيان الذي قام على سرقة فلسطين.. إذا استثنينا الاتجاه الأخير فالخلاف بدا وكأن عنوانه، غانتس بديل لنتنياهو!
المؤيدون رأوا نصف الكأس الممتلئ متمثلا بسقوط نتنياهو، والمعارضون وجدوه في إثبات قدرة فلسطينيي الأرض المحتلة عام ١٩٤٨ على «معاقبة قياداتهم»، بلغت نسبة مشاركة عرب الـ 48 نحو 50%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع مشاركة سكان الجولان السوري المحتل فيما يسمى «الانتخابات البلدية» التي حاولت «إسرائيل» فرضها عليهم، إذ بلغت تلك النسبة ما بين صفر إلى ١ في المئة. انتهت الانتخابات الإسرائيلية وفاز نتنياهو وتحالفه، وسيبقى غانتس في المعارضة، ونال العرب ١٠ مقاعد، وانفض السامر على كأس «ديمقراطية إسرائيلية» ممتلئ. اليوم وقد بردت الرؤوس وبدأت حلقات اللوم المتبادل بالتلاشي، لابد لنا من الوقوف أمام ممارسة أصبحت هي السائدة في الكثير من سلوك الكثيرين الثقافي والسياسي والإعلامي… وحتى الشعبي، هذه الممارسة تتجلى بالاحتفال بانتصارات أو هزائم الآخرين وتجييرها، غصباً، لتصبح جزءاً من إنجازاتنا، وتحقيقاً لطموحاتنا وآمالنا.
في الانتخابات الأمريكية وقف الكثيرون ضد هيلاري كلينتون بسبب دورها فيما يسمى «الربيع العربي»، لكننا اليوم ندرك تماماً أنها كانت أهون الشرين مقارنة بما قدمه ترامب لـ«إسرائيل»، الذي قد يكون أسوأ من وعد بلفور نفسه.
في فلسطين المحتلة أراد البعض فوز غانتس، ليكسر شوكة اليمين الصهيوني. وغانتس هذا لمن لا يعرف شارك في عملية الليطاني ١٩٧٩، وقاد عام ١٩٩١ العملية التي عملت على نقل ١٤٤٠٠ يهودي إثيوبي إلى «إسرائيل» خلال ٣٦ ساعة. وهو الذي كان قائداً للمنطقة الشمالية إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان ٢٠٠٦، وأخيراً وصل في العام ٢٠١١ إلى منصب رئيس هيئة الأركان، وكان المسؤول المباشر عن الاعتداءات الإسرائيلية على سورية ولبنان.
أما شريكه في ائتلاف «أزرق- أبيض» فهو يائير ليبيد الذي شغل منصب وزير المالية في الحكومة التي شكلها نتنياهو عام ٢٠١٣، ويتميز بمواقفه المتشددة ضد العرب، ورفضه الانسحاب من الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، وهو ما أكد عليه عندما أعلن ترشيحه لانتخابات ٢٠١٣ من جامعة مستوطنة أرييل المقامة على أراضي سلفيت وسكاكا وكفل حارس في الضفة الغربية.
أسوأ ما في هذا السلوك العدمي لبعض النخب السياسية والثقافية العربية أنه يلجأ إلى تسويغ العجز والتواكل بمقولات مثل انسداد الأفق، وانعدام الخيارات، متجاهلاً أن القوى الوطنية العربية استطاعت، في كل مرة امتلكت فيها الإرادة السياسية، تحقيق انتصارات مهمة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، هذا ما حدث في مصر عبد الناصر، وجزائر هواري بومدين، وسورية حافظ الأسد، وهذا ما يحدث اليوم بانتصارات محور المقاومة وفي مقدمته سورية بقيادة الرئيس بشار الأسد.
ما تحتاج هذه النخب إلى أن تتعلمه هو أن الحل في أيدينا وليس في أيدي الآخرين، وأننا نحن من نملأ كأسنا، ونقتلع شوكنا بصمودنا وإرادتنا وتضحياتنا.. درس يجب أن نتعلمه من أبطال الجيش العربي السوري والمقاومة.. درس تعرضه علينا الشاشات كل يوم بصورة جندي يرفع العلم وسط الثلوج في القلمون، أو جنازة شهيد في الضاحية الجنوبية، أما من يبحث عن النصر في مكان آخر فليس سوى «دون كيشوت» يحارب طواحين أهوائه.

كاتب من الأردن

print