تتابع الأخبار بلا كلل ولا ملل، فكيف تملُّ مما يؤثّر في حياتها في أدقّ التفاصيل؟ إن كان الخبر بعيداً، بُعْدَ كواكب السّماء، هي تعلم أنه سيحطُّ في مطبخها حين تصنع طبق طعامها، وتدرك أن ثمن كلِّ ما وضعتْه في القِدْر، على الموقد، قد ارتفع ثمنُه أضعافَ أضعاف, وأن أيام الهناءة الكسول، قد ذهبت إلى غير رجعة، فيدُها لم تعد تقلّب المحطات التلفزيونية لتحظى بفيلم رومانسيّ تتركه يكرر نفسه للمرة الرابعة، ومزاجها صار رهين البرامج السياسية، التي تعيد شرح واقعةٍ تمّ سردُها من مذيع، وراح مفكّر يعيد تفكيكها وتركيبها من جديد، وإذ تحدّثت إلى صديقة، كانت لصيقةً بها، وغدت اليوم بعيدة، لزمنٍ لا تعرف عديدَ سنواته أو شهوره، روت لها الصديقة أحداثاً غريبة كتلك التي شاهدتها في المسلسلات التلفزيونية المحلية الحديثة التي فيها خطفٌ وموتٌ وفراقٌ، بتهجيرٍ أو طلاقٍ غادرٍ أو خديعة! فالأمُّ طريحة الفراش، والزوج أصبح في اكتئاب، والولد الذي صار صوتُه أعلى وأذُنه لا تسمع لم يعد يهتمّ إلا بنفسه، وهي تتمنى رؤيتها، لكن المواصلات صعبة وترك البيت في همومه أصعب!. حين تنصرف إلى شغلها في قراءة المخطوطات المُعَدّة للطبع، تنساب تحت ناظريها، الأحداث نفسها التي عاشتها: الحصار المديد لقرى وأحياء حُرم أهلوها من الخبز والماء والدواء والتنفّس إلا تحت سطوة السلاح والفتاوى المستبيحة للدم البريء، فتطوي الورق، وتذهب إلى هاتفها لتتصفّح ما يرويه النّاس الذين باتت تعرفهم، من دون أن تعرفهم، يتناغمون ويتغازلون، يختلفون ويتفقون ويتجادلون، فتشعر أنها تعيش في فيلم طويل، كتب له السيناريو والحوار، للغرابة، نفس من تراه، وتسمع صوته بأنغام مختلفة، عبر الشاشة وفي الواقع، ما خلا أن تمرَّ صورة تجعلها تتسمّر أمامها طويلاً، تتملّى البزّة والقامة وبريق العينين، فيطفح الفرح من جوارح قلبها، وتطفو على موجٍ وغيمٍ وضوء وعطر! هذه الصورة تجعلها تقسم العالم إلى جزأين! تغمض عينيها لتتأمل ما كان وراءها وحولها، فكل اللغة التي استجدّت منذ ثماني سنوات وأغلقت عليها كانت ابنة الحرب التي تتالت أيامها، ينسجها مغزلٌ بطيء متينٌ حاذق، خيوطُه كتلك التي اجتذبته منذ فجر التّاريخ: أوراقُ ولحاءُ شجر، وصوفٌ وكتّان وحرير، جمعتها الريح أو المصادفات، أو ضرورة الكساء ودافع التّأمّل! وكذا فعلت الحرب، حين جمعت الحكايات ووحّدت المفردات متجاوزةً المناطق واللّهجات والهموم الزائلة والأحاديث الشّفويّة والنصوص المكتوبة، إلى أن يعيدها صاحب البزّة، بعد الانتصار، إلى نضارتها!.

print