ما زال في «صفقة القرن» بقية.. وهي «بقية» ليست بأقل خطورة مما سبقها، وربما أخطر لكونها تتجاوز – في مرحلتها الجديدة– النطاق الفلسطيني، إلى الجوار العربي، وهذا أمر حتمي أياً تكن المواقف المُعلنة للدول المعنية، علماً أن بعضها لا يُصرح ولا يُعلن.
يُخطىء من يقول أو يعتقد بغير ذلك، وإن فعل فهو يُغالي في التفاؤل بأنها رست عند سقف ما قررته إدارة ترامب خلال الأشهر الماضية، من توقيف دعم «الأونروا» إلى اللاجئين إلى المستوطنات إلى القدس.. وليس آخراً، الجولان السوري المحتل.
بالمنطق، هل يُعقل أن يخرج جاريد كوشنر ليُصرح رسمياً بأن «صفقة القرن» ستُعلن بعد شهر رمضان (بعد تشكيل نتنياهو حكومته).. وعندما يَحين الوقت يخرج مرة أخرى ليقول إنه لا صفقة.. ربما يتم تأجيلها بعض الوقت لأسباب تتعلق باستكمال الضغوط وعملية الابتزاز، وعندما تكتمل لابد من أنها ستُعلن.
ما زال في صفقة القرن «الحدود» على الأقل، وما زالت الولايات المتحدة تحتاج إلى توقيع رسمي فلسطيني (عربي) على «الصفقة»، ليتم إدراجها كاتفاقية دولية، وتسجيلها في الأمم المتحدة، فتكون لازمة ومُلزمة كما اتفاق أوسلو ووادي وعربة (وقبلهما كامب ديفيد).. هذا لا يعني أن المخططات الأمريكية– الإسرائيلية ستنتهي هنا، بل هي ستنتقل إلى مرحلة جديدة.
لنلاحظ أن التصريحات الأمريكية لم تحدد يوماً بعينه لإعلان «الصفقة»، ولم تتطرق لأي من التفاصيل والتسريبات المستمرة حولها، باستثناء إطلاق «التحذيرات» المُقنعة بهيئة نصائح، والترويج لما تبقى من «صفقة القرن» على أنها «فرصة ما بعدها فرصة» على الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي) عدم تفويتها.. والمقصود هنا الجانب الفلسطيني حيث لا مجال أمريكياً لوضعه مع المحتل الإسرائيلي في صف واحد، فهذه «الصفقة» وما مُرر منها صبَّ كله في خدمة المحتل الإسرائيلي.
عندما يقول الأمريكي للفلسطيني (والعربي) أن يتعامل مع «صفقة القرن» على أنها «فرصة» فهذا يعني أنه يقول لهم تهديداً: لا مجال أمامكم للرفض، وإذا رفضتم فإننا سنمررها جزءاً وراء جزء كأمر واقع.. وباعتقادنا هذا ما سيجري.
الولايات المتحدة – وخلال الوقت المتبقي قبل الإعلان عن الصفقة – سترصد هذا الرفض وحجمه ومستواه وأطرافه، ربما لذلك هي لم تحدد يوماً بعينه.. هذا في حال افترضنا أن معظم العرب ما زال فيهم بقية رمق للرفض.. ربما اجتماع العرب الأحد الماضي جاء في إطار: 1- تحديد مستوى الرفض الذي يجب أن يُظهروه للرأي العام الفلسطيني والعربي. 2- تحديد مستوى الرفض الذي يجب أن يرسلوه للإدارة الأمريكية على قاعدة «التيقن» من حتمية التطبيق أياً يكن موقفهم ورفضهم.. ليغدو الأمر- في نهاية المطاف- اجتماعاً لحفظ ماء الوجه لا أكثر ولا أقل.. بمعنى أن هذا الاجتماع العربي- وكل اجتماع عربي لاحق- لن يخرج عن هذا الإطار، أي أنه ليس أبداً بهدف بحث خطوات الرد، وحتى في حال أعلنوا عن خطوات فهي لن تتعدى المعتاد، أي التوجه إلى الأمم المتحدة وتسجيل الرفض والتنديد والاستنكار.

هناك رأي سائد «يسوغ» للعرب هذه المواقف ربطاً بما هم عليه من ضعف، وفي ظل موجة جديدة من «الربيع العربي» تتزامن مع الإعلان الأمريكي حول «صفقة القرن».. هذا ليس رأياً صحيحاً ولا يجوز ترويجه أو الركون إليه «وكفى الله المؤمنين القتال».. هذا ليس منطقاً تسويغياً فقط بقدر ما هو هروب وتهرّب، ضعفاً أو تواطؤاً، لا يهم.. المسألة ليست هنا بل في أن العرب يُقنعون أنفسهم ويريدون إقناع المواطن العربي بالعجز أمام العدو الإسرائيلي وحليفته الولايات المتحدة، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، أو بعبارة أدق أفضل مما ستعطيه الولايات المتحدة لهم.
هذا بالمطلق ليس صحيحاً، وفي الإمكان فعل الكثير.. ولا نقول هنا أو نطالب أن يشنوا حرباً، فنحن نعلم أنها اختفت من قاموسهم.. ولا نقول أن يوقفوا التطبيع لأنهم لن يفعلوا مادام المُطبّعون يجدون فيه منافع ومكاسب.. إذاً، لتكن الدبلوماسية سبيلاً، ففيها ما يكفي وما يؤثر فعلياً.. لكنهم- أيضاً – لن يفعلوا.
لعبة التسريبات
حتى الآن – ومنذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل عامين – كل ما تم تسريبه من قرارات أمريكية مُحتملة في إطار «صفقة القرن»، اتخذ طريقه للتنفيذ.. علماً أن إدارة ترامب لا تدرجها في إطارها، وتُصر على أن «صفقة القرن» الحقيقية لم تُعلن بعد.
يقولون: إن إدارة ترامب تجيد لعبة التسريبات، فهي تتخذها على مبدأ طلعة الطيران الأولى التي تمهد الأرض ليأتي القصف بعدها مركزاً ناجحاً.. وربما هي لا تجيد اللعبة بقدر ما هو الوضع العربي المتردي– ضعفاً أو تواطؤاً – هو من يساعدها.
جوهر «الصفقة» لم يعد فلسطينياً
في كل الأحوال– وبعد تمرير القرارات الترامبية ذات الصلة – يمكن القول: إن جوهر «صفقة القرن» لم يعد فلسطينياً بالدرجة الأولى، وإنما عربياً، وحسب التسريبات (وهي كثيرة وخطيرة) فإنه حتى ما تبقى من «صفقة القرن» المتعلق بالجانب الفلسطيني مرتبط بالجانب العربي، سواء في مسألة «الحدود» المُفترضة لـ «الكيان» الفلسطيني، أو في مسألة التمويل، أي المشروعات الاقتصادية التي يقولون إنها «ستدعم» قيام «كيان» للفلسطينيين.. ولابد من أن الجميع أخذ علماً بتسريبات «واشنطن بوست» بأن الصفقة «لا تتضمن دولة فلسطينية وإنما تحسينات على أوضاع الفلسطينيين»، والمقصود هنا الجانب الاقتصادي فقط.
وعليه – ودائماً على ذمة التسريبات – ينهمك الأمريكيون والإسرائيليون وحلف المُطبّعين في حياكة المؤامرة الاقتصادية التي تنسف حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية في أرضه وفي تحقيق الدولة والاستقلال والسيادة سياسياً وأمنياً وعسكرياً.. واقتصادياً بطبيعة الحال.. لذلك لا يبدو في محله تفاؤل السلطة الفلسطينية «برفض عربي إسلامي أوروبي دولي لكل خطة أو مقترح أو صفقة لا تُبنى على أساس حل الدولتين».
كل ذلك الكلام المُنمق المُدبّج بعبارات الرفض والتنديد والاستنكار التي تطلقها السلطة الفلسطينية وبعض العرب.. كله بلا قيمة، وما تخطط له الإدارة الأمريكية لابد سيمر مادام العرب لايزالون في دائرة الأقوال «نغطي السموات بالقبوات» كما نقول في عاميتنا.
على ذمة التسريبات
لا ندري إذا كان في إمكاننا القول: إن سيناء (مصر) خرجت من دائرة التسريبات (وتالياً من دائرة الصفقة) بعد نفي إدارة ترامب – على لسان مبعوثها الخاص جيسون غرينبلات – ما قيل عن أن صفقة القرن تتضمن اقتطاع جزء من أراضي سيناء لضمها إلى (الكيان) الفلسطيني الذي يجري الحديث عنه، مقابل إعطاء مصر جزءاً من أراضي النقب.. غرينبلات قال في 20 نيسان الجاري– ودائماً على ذمة الترجمة: هذا كذب. وأضاف: من فضلكم لا تصدقوا كل ما تقرؤونه.
حسناً، سنأخذ – مجازاً – بكلام غرينبلات ونعده لا يكذب، لتخرج مصر كطرف مُفترض من دائرة «صفقة القرن».. ونسأل: مَنْ بقي فيها، وماذا تبقى منها؟.. وزمنياً لا يزال المجال واسعاً للتكهنات والتسريبات.. أمامنا شهران تقريباً.
طبعاً ليست لدينا أجوبة، وإنما نعرض ما جاء طوال الأسبوعين الماضيين في صحف أمريكية وأوروبية وإسرائيلية، وفيها تخرج مصر من دائرة جغرافيا (الصفقة) واقتطاع الأراضي لتبقى في إطار ما يُسمى «آليات العمل المشتركة»، وهي حدودية بالدرجة الأولى واقتصادية بالدرجة الثانية..
هذه الصحف – وللتدليل على خطورة ما تتضمنه «صفقة القرن»– استشهدت بتصريحات عدة للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يحذر فيها من «ترتيبات خطيرة جداً».. «لا يمكن تمريرها بسهولة.. ومباشرة». (لنلاحظ هنا أن هذه التصريحات تركز على صعوبة التمرير وليس على الرفض والمنع.. وهي تدعو ضمناً لتنفيذها على مراحل وليس مباشرة.. بمعنى دفعة واحدة؟!).
وتؤكد هذه الصحف أن إدارة ترامب أطلعت جميع الأطراف المعنية على ما تتضمنه «صفقة القرن».. وأن الوقت القليل المتبقي قبل الإعلان عنها هو فقط لوضع الخطوط النهائية.
– تسريبات هذه الصحف تركز على التوطين (توطين مليون فلسطيني في الأردن مقابل 45 مليار دولا على دفعات)، وفي حال استمر الأردن في رفض تجديد استئجار «إسرائيل» أراضي منطقتي الغمر والناقورة (وكان عقد استئجارها – وفق اتفاق وادي عربة – انتهى في تشرين الأول 2018) في حال استمر الأردن في الرفض فإن «صفقة القرن» تقترح اقتطاع ما يعادل مساحة منطقتي الغمر والناقورة (6 كلم تقريباً) من السعودية على أن تتكفل قطر ودولة خليجية أخرى في تمويل هذا الاقتطاع؟!
لكن هذا المقترح – كما تقول الصحف آنفة الذكر – قد يؤجل لبعض الوقت تبعاً للتداعيات المحتملة ما بعد إعلان صفقة القرن.
– أيضاً يدخل لبنان كطرف في «صفقة القرن» عبر مزارع شبعا، وحسب التسريبات فإن القرار الأمريكي التالي هو «الاعتراف بمزارع شبعا أرضاً إسرائيلية».
هل من مجال للتفاؤل؟
كل ما سبق– وغيره كثير– يأتي في إطار التسريبات، ومع ذلك ما زال هناك من يخرج علينا ليقول: إن «صفقة القرن» لن تُعلن لأنها تمت بالفعل عبر قرارات ترامب المتوالية طوال الأشهر الماضية.
قد لا تُعلن.. هذا صحيح، لكن ذلك لا يعني أنها تمت بالكامل، وفي اعتقادنا ما زال هناك الكثير الخطير على طاولة «صفقة القرن» (وعلى جوانبها).
تبقى مسألة دعوة جاريد كوشنر للأطراف المعنية للتعامل بـ «ذهن منفتح» مع ما تتضمنه «صفقة القرن» بعد الإعلان عنها.
لا نعتقد بأنها دعوة موجهة للأطراف العربية – فمعظمها منفتح بما يكفي ويزيد – بل موجهة لـ«إسرائيل»، لأن «صفقة القرن» لابد من أن تعطي الفلسطينيين شيئاً ولو فتات أموال.. ولكن حتى هذا ترفض «إسرائيل» إعطاءه لهم.
هل نتفاءل بفعل عربي مختلف قبل أو بعد إعلان «صفقة القرن»؟.. لا نعتقد أن في مقدورنا ذلك.

print