سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ استلامه السلطة وحتى الآن تشبه تصرفات الثور الهائج الذي يدمر هنا وهناك من دون أن يستطيع أحد كبح جماحه.. يتخبط ترامب بقراراته عن طريق فرض العقوبات تارة والتدخل العسكري تارة أخرى غير مكترث بمصالح الشعوب واحتياجاتها، وخاصة في الشرق الأوسط- والمنطقة العربية تحديداً- ولعل ذلك ما يسعى إليه لتمرير «صفقة القرن» التي تخدم «إسرائيل» وتحاول تثبيت كيانها.
ما هي «صفقة القرن»؟
هي مقترح وضعه ترامب لإنهاء الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على حد زعمه..لم يتم الإعلان عن ذلك المقترح /الصفقة بعد بشكل رسمي، ولا تزال الأمور المتعلقة بالتفاصيل مجرد تسريبات تبثها وسائل الإعلام، لكن يمكن القول بأنها تعمل على «حل» القضية الفلسطينية بـ«اقتطاع» أرض بديلة من الجوار لتُقام عليها الدولة الفلسطينية، وهو ما يرفضه الفلسطينيون والأطراف العربية المعنية على حدّ سواء، فالجانب الإسرائيلي لا يريد «حل الدولتين» على أرض فلسطين التاريخية، بل يرى أن تلك الأرض لا تكفيه ومن الصعب القبول بإجلاء المستوطنين من الضفة الغربية.. هذا طبعاً مرفوض جملة وتفصيلاً من الجانب الفلسطيني الذي يؤكد أن ما تطمع به «إسرائيل» هو إلغاء حق إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على أراضي الـ 67، وحق العودة على أساس قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
وما لاشك فيه أن التسريبات المتعلقة بما يسمى (الخطة الأمريكية للسلام) التي طرحها ترامب والمعروفة بـ «صفقة القرن» لم تختلف في جوهرها عن مقترحات سابقة قدمتها الإدارات الأمريكية السابقة.
وعن بنود الصفقة وفق مصادر فرنسية وأمريكية:
أولاً: إقامة دولة فلسطينية حدودها قطاع غزة والمناطق (أ) و(ب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية.
ثانياً: أن تعطي الدول المانحة للفلسطينيين مساعدات مالية تصل إلى 10 مليارات دولار لإقامة مطار دولي وميناء بحري في غزة، إضافة إلى مشاريع إسكانية وزراعية ومدن صناعية ومحطات للطاقة الكهربائية.
ثالثاً: إبقاء وضع القدس معلقاً حتى المفاوضات النهائية.
رابعاً: تأجيل البت في عودة اللاجئين حتى الوصول إلى ما يسمى مفاوضات الوضع النهائي.
خامساً: القيام باستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بوساطة عربية وأمريكية وروسية و«بشروط إسرائيلية».
ويبدو من التسريبات للقاءات الإسرائيليين مع نظرائهم الأمريكيين أن «إسرائيل» ترفض حتى تقاسم المساحة الضيقة من الأراضي الفلسطينية مع الفلسطينيين، بزعم أنهم يهددون أمنها واستقرارها.
والسؤال الأهم: هل تحقق صفقة القرن أهدافها؟
إذا ما وضعنا جانباً كل الأحداث المتعلقة بالمنطقة العربية تحديداً واكتفينا بالمعنيين بصفقة القرن تلك وهم كل من الفلسطينيين والإسرائيليين نجد ما يلي:
فيما يتعلق بالجانب الفلسطيني، يبرز العديد من الأسئلة التي تقف عائقاً أمام تحقيق الصفقة وهي:
كيف يمكن للفلسطينيين أن يتفاوضوا مع «إسرائيل» في ظل الانقسام الفلسطيني.. وفي حال توافقت الفصائل الفلسطينية على رفض الصفقة، فما هو البديل الذي تقدمه؟ هذا أولاً، وإذا كانت دول عربية، تقبل سراً أو علناً بصفقة القرن، أو على الأقل لا تعارضها، فما أثر هذا في الموقف الفلسطيني؟
والأهم هو: ماذا عن الدول التي تحتضن أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، مثل الأردن ولبنان، ما هو موقفها من إسقاط حق العودة؟ وهل تقبل بتوطين ملايين اللاجئين الفلسطينيين؟
أما بالنسبة للجانب الإسرائيلي، فأبرز الأسئلة المطروحة يتمثل بالنقاط التالية:
إذا كانت صفقة القرن تسعى لإخراج القدس من المفاوضات، وإسقاط حق العودة، مع إصرار «إسرائيل» على الاستيطان، فماذا بقي لتتفاوض عليه مع الفلسطينيين؟..هل أن نتنياهو بعد فوزه في الانتخابات سيكون في وضع يمكنه من تمرير صفقة القرن؟
لا شك في أن أبعاد صفقة القرن ستبرز بشكل أكثر وضوحاً بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية وفوز نتنياهو فيها، لكن الأمر المؤكد أن هناك قضايا عالقة تنتظر حلولاً طويلة الأجل.
على ضوء ما تقدم نجد من الصعوبة تحقيق سلام عبر تمرير صفقة تقوم أساساً على حساب الفلسطينيين من خلال تصفية قضيتهم وتهويد أرضهم والسيطرة عليهم، أو تعميق النظرة غير الإنسانية التي تحاول «إسرائيل» تكريسها نحو الفلسطينيين منذ احتلالها بلادهم، وتالياً هي لا تحمل في بذورها أي عناصر حياة لأي مشروع تسوية، وهو ما عبر عنه كيث وايتلام في كتابه «اختراق إسرائيل» عندما قال:«على الفلسطينيين أن يستحضروا تاريخهم المسكوت عنه بين العصر البرونزي والحديدي، لأن «إسرائيل» تعمل على طمس الحقائق بما يتلاءم مع أهدافها و«توراتها» وعقيدتها التي لا صلة لها بأرض الواقع، بل هي مجرد فبركات وتلفيقات استطاعت أن تجعل من الوهم حقيقة..».
هناك الكثير من العراقيل التي تحول دون بقاء تلك الصفقة التي ماتت قبل أن تولد، فهل سيتكرر مشهد النكبة وأوسلو؟
عن «مركز الدراسات الاستراتيجية»

print