قد يكون الضغط على حوامل الطاقة الأقسى حالياً على السوريين بسبب حصار اقتصادي ظالم هدفه محاربتهم في لقمة عيشهم، لكنها حتماً ليست المرة الأولى التي يتعرضون فيها لحصار كهذا، فمنذ الثمانينيات يكتوون بآثاره السلبية، التي نجحوا آنذاك بتحويلها إلى ورقة قوة عبر تحقيق الأمن الغذائي، لذلك لا بد من التوجه جدياً إلى معاودة تطبيق سياسة الاعتماد على الذات لكسر حدة الحصار وإفشال مخطط الأمريكان وأدواتهم، فوحدها هذه السياسة الاستراتيجية قادرة على حماية ظهر اقتصادنا وجعلنا أقوياء اقتصادياً عبر استرجاع مجد اكتفائنا الذاتي، وهذا ليس بمستحيل مادمنا نجحنا بتطبيق هذه المعادلة سابقاً على نحو منع تحكم الآخرين في رقابنا وجعلنا أسياداً في أرضنا.
نقطة قوة
تحويل ورقة العقوبات الاقتصادية من نقطة ضعف إلى قوة أشار إليه فارس الشهابي رئيس اتحاد الغرف الصناعية في تصريحه لـ«تشرين» عبر تأكيده على ضرورة التكاتف من أجل كسر الحصار الاقتصادي، الذي يستطيع السوريون تجاوزه ماداموا قد استطاعوا تجاوز ظروف أصعب من هذه الأوقات بكثير خلال سنوات الحرب، لافتاً إلى أن الحل الأفضل لإفشال مخطط العقوبات الاقتصادية اتخاذ إجراءات عاجلة تناسب المرحلة عبر منع استيراد كل ما يمكن إنتاجه وإقرار مشروع المناطق المتضررة وقانون جديد للاستثمار مع تخفيض تكاليف الإقراض والنقل والطاقة لمراكز الإنتاج الصناعي والزراعي, مع العمل على محاربة الفساد بدءاً من أكبر الحيتان وتركيز مكافحة التهريب على مافيا التهريب والمعابر وليس على الأسواق والمصانع.
رب ضارة نافعة!
بالنفس المتفائل ذاته تحدث رئيس القطاع النسيجي في اتحاد المصدرين فراس تقي الدين بتأكيده أن الحاجة أم الاختراع ورب ضارة نافعة، ففي رأيه ليس أمام السوريين اليوم إلا التكاتف مع الحكومة؛ مزارعين ومنتجين وتجاراً ومستهلكين والاعتماد على أنفسنا بإحلال الانتاج المحلي بدل المستورد.
وأضاف: لنحول هذه المحنة إلى منحة وخاصة أن الشعب السوري شعب مؤمن وجبار ومبتكر ولديه طاقات هائلة، داعياً إلى ضرورة مكافحة التهريب شعبياً وتشجيع الإنتاج الوطني مع العمل على تطوير الصناعة والزراعة وتقديم كل الطرق والسبل لإيجاد الحلول المناسبة للاستعاضة عن كل مادة يمنع وصولها إلينا، مع العمل على ابتكار أساليب ترشيد وإدارة للموارد.
شد الأحزمة
ولفت إلى أن الوضع الحالي يستلزم شد الأحزمة في البيوت والمؤسسات والعمل على محاربة الفساد والهدر, مع الوقوف يداً بيد مع القيادة والشرفاء في الدولة ضد كل من ما زالت تسول له نفسه من الفاسدين عرقلة وتعطيل عجلة الإنتاج والزراعة والتجارة و«تطفيش» المخلصين رغبة في منافع شخصية، مشدداً على ضرورة تشجيع ودعم الإنتاج وتسهيل القروض وتبسيط الإجراءات الإدارية، لافتاً إلى أن الوقت اليوم وقت الشرفاء لقبول التحدي وراء القيادة الشجاعة وليس وقت الفاسدين وابتزازهم للفعالين المنتجين، كما أن الظرف الراهن ليس زمان البيروقراطية والجباية غير المدروسة التي تحقق إيراداً سريعاً للخزينة وتدميراً خطيراً على المستوى المتوسط والبعيد .
كسر الحصار بالزراعة
حصار الثمانينيات الاقتصادي كسره السوريون عبر تطبيق سياسة الاعتماد على الذات وخاصة في المجال الزراعي على نحو استطاعوا بناء أمن غذائي مكننا من الصمود خلال هذه الحرب الكارثية وخاصة أن سورية بلد زراعي بامتياز، واليوم إذا لم نمنح الفلاح وأرضه الاهتمام الكافي فلن ننجح في كسر الحصار الاقتصادي، وهنا يتحدث عبد الرحمن قرنقلة عن دور القطاع الزراعي في تحقيق النمو الاقتصادي، لافتاً إلى أهمية المبادرات الزراعية في تحويل الحصار الاقتصادي من نقطة ضعف إلى قوة، مستشهداً بمبادرات مزارعين شباب يعملون في مشغلهم المتواضع على تغليف بذار عدد من أصناف الخضر تمهيداً لتصديرها إلى الأسواق الخارجية، ففي رأيه هذه المبادرات تستحق الاهتمام الحكومي وتنميتها وتوسيع رقعتها، لكونها تشكل المفتاح الأكثر كفاءة في التصدي للحصار الاقتصادي الذي تطبقه قوى الهيمنة الاستعمارية على لقمة الشعب السوري الصامد، كما أنها تؤكد أن الزراعة حامية الاقتصاد الكلي للبلاد، وهي القطاع الوحيد القادر على تحويل الحصار الاقتصادي من نقطة ضعف إلى قوة دافعة للنمو في كل مفاصل الاقتصاد، فالنمو الزراعي خلال الأزمات يكون عادة أكثر استقراراً من النمو الذي يحدث في القطاعات الأخرى، كما لا يتأثر النمو في هذا القطاع مثلما النمو في القطاعات الاخرى لأنه في حالة انخفاض الدخل لا يقل الطلب على المنتجات الزراعية (ولاسيما الاغذية) بطريقة متناسبة، لذا المطلوب حالياً وضع سياسات لمواجهة الحصار الاقتصادي ترمي إلى زيادة الإنتاجية الزراعية وتوفر الاغذية لدى أصحاب الحيازات الصغيرة لضمان النجاح في الحد من نقص الغذاء ، على أن تترافق تلك السياسات مع الحماية الاجتماعية وغيرها من التدابير الهادفة إلى زيادة دخل الأسر الفقيرة من أجل شراء الأغذية، ما يكون له أثر إيجابي وفعال أكثر على التنمية الريفية من خلال خلق أسواق نابضة وفرص العمل فاسحة المجال للنمو الاقتصادي العادل.
ولفت قرنقلة إلى أن قطاع الزراعة بتركيبته المرنة ونشاط فلاحيه والفنيين وقدرتهم على التأقلم حتى مع نقص مستلزمات الإنتاج، واستمراره بإمداد الأسواق السورية وحتى العربية بالمنتجات الزراعية، يؤكد قدرته على تحويل الحصار الاقتصادي الى نقطة قوة مضيئة شرط تقديم الدعم الكافي والاهتمام بالفلاح اهتماماً يستحق جهده وتعبه.
لا تختلف عن الثمانينات
لا تختلف خسائر الحصار الاقتصادي الحالي غير الشرعي والقانوني والإنساني عن خسائره خلال فترة الثمانينيات وخاصة لبلد يملك مقومات اقتصادية وتنمية جيدة استثمرت للاعتماد على الذات وعلى الإنتاج المحلي بحيث تحقق الأمن الغذائي مع تطور تنموي في كل المجالات حسب د.سنان ديب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية في اللاذقية، الذي أكد أن التخفيف من منعكسات الحصار الاقتصادي اليوم واحتواءه ممكن وخاصة أن سورية تجاوزت خلال الفترة الماضية أغلب المطبات الإرهابية إن صح التعبير ليكون بديل الولايات المتحدة وأدواتها تشديد العقوبات غير الشرعية, مترافقة مع حرب إشاعات تضليلية قاتلة كأجندة موضوعة، وللأسف لا يمكن تجاهل وجود تقصير بتحصين المواطن وتوعيته نحو ثقافة تصدٍّ وصمود أزموية ساهمت بزيادة حدة الحصار، فعلى العكس تماماً كان هناك ترويج بأن الحرب انتهت مع أن الجميع يعرف أن الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية تكون أكبر بعد انتهاء الحرب العسكرية.
إعادة الثقة
في المقابل يجب أن يصدر الإعلام شخصيات موثوقة تعيد الثقة بين المواطن والحكومة وتتكلم بواقعية وتدحض الإشاعات الكاذبة، التي تروج لوجود نقص في السلع والدعوة لتخزين البضائع، وهذا غير صحيح، فاليوم هناك فائض في السلع الغذائية والاقتصاد يتجه نحو التعافي وخاصة في ظل وجود موسم زراعي جيد ونتائج جيدة لدعم الصناعة، لذا من الواجب الأخلاقي والوطني الدعوة إلى الهدوء وضبط النفس والتوعية والعمل على تأمين الاحتياجات الأساسية.
ونوه د.ديب بضرورة قيام حاكم مصرف سورية المركزي بأخذ دوره بضبط سعر الصرف، الذي يعد أحد أدواتهم لتدمير الثقة وبث الإشاعات وإضعاف النفوس، كما يجب على الحكومة الضرب بيد من حديد على كل من يثبت بثه لإشاعات تزيد واقع السوريين سوءاً، مع ضرورة محاسبة الفاسدين وتجار الأزمات، الساعين بكل الطرق للنيل من «هيبة» الدولة لأجل مصالحهم الخاصة.
إصلاح حقيقي
وشدد د.ديب على أنه آن الأوان لإصلاح حقيقي مترافق بما يشكل أوراق ضغط فيه يستنهض فيها كامل الطاقات والثروات لبناء اقتصاد قوي ومنع تحكم الفساد في مفاصله حتى لو اضطر الأمر لتدخل المؤسسة العسكرية بعد فشل الجهات الأخرى في تحقيق ذلك، مناشداً أغلب السوريين الغيورين في الداخل والخارج بالتوجه إلى خطابات توعوية ودعم اقتصاد بلادهم عبر دعم الليرة ودخص الإشاعات والضرب بيد من حديد لكل شخص يثبت تورطه في بث إشاعات, هدفها إضعاف الليرة والمتاجرة بالعملات ومن يحتكر ويتاجر بالسلع التي يعلنون أنها مفقودة أو ستفقد، مبدياً تفاؤله في حال تعاضد السوريين معاً ستزول أزمة المحروقات وسيكون القادم أفضل للسوريين مع تقويض خطط من يحاول ابتزازهم.

طباعة

عدد القراءات: 3