نعاني اليوم سوء فهم للعملية النقدية، إذ كثير ممن (يمارسونها) أو يتوهمون ذلك، لا يدركون أن مهمة الناقد الناجح تكمن في «نقل معرفته وحماسته للفن للآخرين»، على حد تعبير الناقدة الأمريكية بولين كايل، وذلك عبر «مساعدة الناس على فهم المزيد عن العمل الدرامي أكثر مما يستطيعون رؤيته بأنفسهم».
إلا أن تحديد أغراض النقد على النحو الذي تصفه كايل، لا يعني بطبيعة الحال تأطيراً لعمل الناقد، وإنما تجديد لمفهوم الخطاب النقدي، إذ مع التطور التكنولوجي لوسائل الاتصال، وما وفرته شبكة الانترنت من منصات للتعبير وإبداء الرأي، بات متاحاً للجميع إمكانية الكتابة عن العمل الدرامي، الأمر الذي دفع الناقد البريطاني رونان ماكدونالد إلى استلهام نظرية رولان بارت عن «موت المؤلف»، لإنجاز كتاب بعنوان «موت الناقد»، يرى فيه أن «زمن الناقد، بوصفه الحكم الفيصل الذي يُقرّر ما يستهلكه الجمهور على الصعيد الثقافي، قد ولى».
غير أن ماكدونالد سيعود ليؤكد أنه «ليس من الممكن أن يَحِل المدوّنون محل النقاد»، ولا يخفي الرجل تخوفه من «تلاشي المؤسّسة النقدية»، وهو بذلك لا يناقض نفسه، وإنما نفهم من كلامه أن ممارسة الوصاية على القارئ في الممارسة النقدية، هي ما مات في الناقد، وأن على النقاد إعادة تموضعهم عبر تجديد خطابهم النقدي، لا ترك الساحة النقدية لما ينجزه اليوم المدونون على مواقع التواصل الاجتماعي وكتّاب الصحف والمجلات من كتابات سريعة تعتمد على الذائقة لا المعرفة.
وفق هذه الرؤية يجب على النقاد مواصلة عملهم في مقاربة العمل الفني نقداً بالكشف عما يميز الجيد فيه عما هو رديء، وذلك بالاستناد إلى قواعد معيارية، وتحليلاً بتشريح العمل الفني وتفسيره وتأويل رموزه، على أن يسعى الناقد في الحالتين، أي في النقد والتحليل، إلى مساعدة المتلقي في فهم المزيد عن العمل الدرامي وإثارة فضوله للانغماس في التجربة الفنية أكثر، وأن «يكون الناقد ذا هدف واضح، فلا يهم أن يصرح برأيه في الفيلم (العمل الدرامي)- إن قبولاً أو رفضاً- ولكن ما يهم أن يشرح حيثيات رأيه» على حد تعبير المخرج والناقد الفرنسي فرانسوا تروفو.
كلنا، بوعي أو من دون وعي، نتأثر بآرائنا الشخصية وذائقتنا، ولكن للناس عقل يجب أن يحترم، وأقل احترام له هو أن نبيّن حيثيات موقفنا من العمل الفني.

print