تنافست الملهاة والمأساة على صدارة المشهد تاريخياً، الأولى قالت بضرورة أن نرى النصف الممتلىء من الكأس، أما الثانية فرأت أن وضع الإصبع على الجرح من شأنه إيجاد العلاج رغم الكارثية والألم اللذين يتسبب بهما هذا الحل!. الملهاة والمأساة ضحكتا على «ذقون البشر» طوال قرون طويلة من المسرح والشعر والرقص التعبيري والسينما، لأن ما كان يجري خلف الكواليس شكل النسخة الحقيقية للتمثيلية الاستعراضية المزيفة التي كانت تقدم بشكل مباشر للجمهور على الخشبة.. الملهاة أغرقت في التفاؤل وتصوير الإيجابيات، أما المأساة فتورطت في النحيب والمراثي، والنتيجة كانت إنسانية كاملة من الفصام و«الشيزوفرينيا» التي تقول «إذا جن ربعك، عقلك ما بينفعك»، والدليل على ذلك أن البشرية «كل مالها لورا» سواء تحدثنا عن الاقتصاد أو الحب أو التنمية، لأن القضية بقيت مرتبطة بالنيّات العاطلة والأساليب الرديئة، وتلك حالة لا ينفع معها تتفيه المأساة بتحويلها إلى ملهاة، ولا تسخير الملهاة لتكون بمثابة «سيتامول» مسكن وغير معالج للجرح!.
المأساة والملهاة تآمرتا على البشر، في الحروب وعلاقات الحب وقوانين السوق والتجارة، كل واحدة منهن كانت تشد اللحاف صوبها، كي تبيت الإنسانية في العراء فلا ينام أحد إلا مطعوناً من البرد.. حتى بالنسبة لامتلاك الحقيقة واحتكار القيم في خِرْجِ الملهاة أم المأساة، عمل الطرفان على تكريس الأحادية المطلقة في أحقية الوجاهة، وكان المواطن في كل مرة يقول: «حطّ بالخرج», دلالة على كشف «البير وغطاه» وهروباً باتجاه اللاجدوى والعبث، كأنه يردد: «مافي فايدة يا جماعة.. ما في فايدة..»!.

print