منذ اللحظات الأولى لتحرير قلعة الحصن والبعثة السورية الهنغارية المشتركة تعمل على إصلاح ما خلفته سنوات الحرب من تصدعات في جسم القلعة التي عدها علماء الآثار من أهم المعالم الأثرية والمقاصد السياحية في سورية، ولكونها مسجلة على لائحة التراث العالمي، وفي الوقت الذي يحاول فيه البعض العبث بآثارنا ومحاولة تخريبها أو تهريبها, جاء العلماء الهنغاريون لحماية ما تبقى من أوابد وإظهار المكتشفات الجديدة إلى العلن، وبناء خريطة جديدة لكل من قلعتي الحصن والمرقب بعد أن تم دمج عمل البعثة.
ترميم كنيسة القلعة
في البداية التقينا السيد جود فاغنار- آثاري من جامعة بيتر بازمان الكاثوليكية الذي قال: نعمل في البعثة السورية الهنغارية المشتركة منذ نهاية عام 2016 وأهدافنا الأساسية تتلخص في مساعدة المديرية العامة للآثار والمتاحف لتحفيز عملية الترميم في قلعة الحصن، ولتحقيق هذه الأهداف قمنا بإجراء مسح معماري، وبعد إعداد تقرير الأضرار أنجزنا بعض التنقيبات وبدأنا بتوثيق بعض الرسومات الجدارية التي تعود للعصور الوسطى وتحضيرها لعملية الترميم، وفي عام 2017 قمنا بترميم برج الكنيسة في قلعة الحصن، وبإجراء بعض الإصلاحات في سطح الكنيسة وفي الساحات التي حولها لحماية المبنى من مياه الأمطار التي تهطل وتبقى على سطحه منذ سنوات ولإنجاز عزل جديد لسطح الكنيسة وتغطيتها بطبقة حجرية وكنا نعمل يداً بيد مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، ونوه فاغنار بأن الترميم على نفقة الحكومة الهنغارية، إضافة لبعض الشركات الهنغارية الخاصة التي ساهمت في إنجاز هذه الأعمال وكانت تكلفة ترميم الكنيسة في قلعة الحصن حوالي 200 ألف دولار.
قاعدة بيانات القلعة
وأضاف فاغنار: إن البعثة قامت بإجراء بعض التنقيبات لكشف نظام التصريف المائي في القلعة، لأنه من المهم تصريف المياه بسرعة في الشتاء ومعرفة تاريخ كل مبنى على حدة، ووجدنا فرناً لم يكن معروفاً في القلعة وبعض المستودعات التي كانت للطعام ونحن نخطط لإتمام هذا المشروع في المستقبل، ولدينا رغبة في إنهاء المسوحات المعمارية التي اعتمدت على طريقة التصوير ثلاثي الأبعاد حيث نقوم برسم البناء حجراً حجراً، ويمكن أن تعطينا قاعدة بيانات دقيقة وجيدة للمديرية العامة للآثار والمتاحف في قلعة الحصن وللدراسات التاريخية القادمة في القلعة أيضاً، كما نود تحضير قاعدة بيانات للمديرية العامة للآثار والمتاحف لإنجاز ترميم المناطق الخطرة في قلعة الحصن ومتابعة التنقيبات لنفهم أكثر عن تاريخ المبنى وطبيعته ونقوم بتوثيق نظام التصريف المائي في القلعة لنقوم بفتح القنوات المسدودة لتصريف المياه بشكل جيد.
وأخيرا قال: نأمل أن تساعد هذه الأعمال في إنشاء متحف في هذا الموقع المسجل على لائحة التراث العالمي الذي هو أهم المواقع السياحية في سورية.
تحديد وظائف غرف القلاع
مدير معهد الآثار في الجامعة الكاثوليكية في هنغاريا- بالاج مايور، درس اللغة العربية في دمشق ويتحدثها بطلاقة قال: التحقت بالبعثة السورية الهنغارية المشتركة في عام 2007 في قلعة المرقب وأصبحت اليوم البعثة مزدوجة مابين قلعتي الحصن والمرقب وبدأ العمل بموافقة المديرية العامة للآثار والمتاحف في المواقع الأثرية وأسس البعثة الهنغارية السورية المشتركة .
وفي السنة الأولى من عمل البعثة قمنا بالمسوحات في محافظة طرطوس واللاذقية وحتى في محافظة إدلب في منطقة وادي العاصي شمال جسر الشغور إلى دركوش, وهناك درسنا ظاهرة المغارات وأغلبها في الفترة الرومانية والبيزنطية: وكانت مستخدمة من البيزنطيين وقبلها المماليك الأيوبيين وقد استخدمت كتحصينات وتلك المغارات كانت طبيعية وصارت نصف منحوتة باليد لمراقبة الوادي والنهر الذي تعبره السفن الصغيرة من بحيرة أفاميا إلى أنطاكيا، وكان الناس وقتها كما تبين آثار المنطقة يشتغلون بنحت الحجارة وكلها استخدمت لبناء المباني في أنطاكيا
وعما تعني له سورية أجاب على الشكل الآتي: «كم لديك من الوقت سنة سنتان…أم جيل كامل؟ وهذا لا يكفي للحديث عن أهمية سورية» فهي أهم منطقة للآثار منذ ازدهار الحضارات في تاريخ البشرية، وهي تقف في تقاطع الحضارات البشرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط ومصر وقبرص.
وعن الهدف من البعثة الهنغارية قال: نحن مهتمون بالفترة البيزنطية والقرون الوسطى وعملنا على التحصينات والأبراج ولاسيما الأبراج الصغيرة في منطقة صافيتا المستخدمة في سورية القرون الوسطى وفي القرن الثاني عشر خاصة واستخدمت حينها كمقر إداري، وسبق في عام 2006 أن طلب منا المدير العام للآثار والمتاحف القيام بالتنقيب في أكبر قلعة في سورية وهي قلعة المرقب.
وعن جديد البعثة قال: كان من نتائج البعثة خلال السنوات الماضية أن استطعنا تحديد وظيفة كل غرفة في القلعة، والمشكلة في أوروبا كما في هنغاريا أن هناك قلاعاً مملوءة بالغرف ولكن لا أحد يعرف هويتها وماذا كانت تستخدم في ذلك الزمن الغابر.
وفي قلعة المرقب قمنا بتحديد 90% من غرف القلعة، كغرفة نوم صاحب الديوان وغيرها… وتم اكتشاف الرسومات الجدارية في الكنيسة، وهناك أكبر صور رسمت بأيدي فنانين أوروبيين في نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر في الشرق الأوسط ،وهناك رسومات من قبل فنانين محليين مثل موسى الحبشي.
نوه مايور أنه في عام 2008 كتبت نيويورك تايمز عن تلك الرسومات، وأشار إلى أنه تم اكتشاف المربض الخارجي للقلعة (مساحة القلعة هكتاراً, ومساحة المدينة السكنية التي تحيط بها داخل التحصينات 5 هكتارات)، وكانت المدينة خارج القلعة على السفوح الغربية باتجاه البحر، وجدنا فيها كنيستين إضافة لرسوم ومقبرة، وصار عندنا أفكار عما كانت عليه الحياة وقتذاك والمقتنيات من فخاريات وغيرها. وأكد أن الكثير من الطلاب الهنغاريين والباحثين أيضاً يعملون معنا ويكتبون رسائل ماجستير ودكتوراه عن تلك الحقبة في قلعة المرقب.
تدريب الطلاب السوريين
المهندس المعماري مروان حسن من دائرة آثار طرطوس ومكلف بالعمل في قلعة المرقب كمدير ميداني للجانب السوري في البعثة السورية الهنغارية المشتركة قال:إن من أهم الفرص التي أتاحتها البعثة توثيق جميع المباني والدلائل المعمارية والمفردات، إضافة للمكتشفات الأثرية كلقى أثرية، توثيق المباني وتحديد وظائف المباني الأساسية بناءً على أعمال التنقيب والأسوار التي تحيط بالقلعة واللقى الأثرية، ومن خلالها تم تحديد وظيفة كل مبنى على حدة، ومن أهم أهداف البعثة تدريب الطلاب السوريين والهنغاريين، وصار لدينا كجانب سوري فهم عميق لمخطط إدارة الموقع بالكامل، ونفكر به منذ عام ولم تتضح الأفكار حتى الآن لإعادة تأهيل المباني واستثمارها سياحياً لتصبح منطقة جذب سياحي تعود بالفائدة على الدخل الوطني.
والمرقب أهم وأكبر قلاع القرون الوسطى في الشرق لذلك نحن مهتمون بها، وإذا ما انتهت الأعمال كما هو مخطط لها فستكون أنموذجا يحتذى به في كل قلاع القرون الوسطى في سورية، هذا ما نأمله في الفترة القادمة.

print