تمثل تجربة فيتنام الاقتصادية الناجحة، واحدة من قصص النجاح الآسيوي على مدى الـ40 سنة الماضية، والتي تلت تجربة العديد من دول آسيا لتصبح الأكثر تميزاً بعد الحرب التي شنتها أمريكا.
واعتمدت فيتنام نهجاً اقتصادياً وسياسياً متجدداً، حولها لدولة غنية متقدمة، على أساس عوامل رئيسية بدءاً من التعليم والسياسة الاقتصادية والاستفادة من تجربة الصين، والاستثمار بالرأسمال البشري.
واستطاعت فيتنام المواءمة بين الانفتاح الإقليمي والدولي، والاستفادة من التجارب المجاورة للدول المشابهة. فنجحت في إذابة جليد العلاقة مع الصين، وإقامة روابط تجارية واستثمارية قوية، من خلال استراتيجية التجديد لتحاكي سياسة الصين في الانفتاح الإقليمي والاستفادة المحكومة من تدفق رؤوس الأموال الأجنبية.
ولم تكن تجارب النمور الآسيوية مرضية ومقبولة للأحلاف الاستعمارية، فسعت واشنطن مراراً للسيطرة على اقتصادات هذه الدول، ومحاولة فرض الاملاءات والرغبات الأمريكية، مقابل النشاط والحضور الصيني المتكافئ.
وتسببت الرأسمالية والسياسات الليبرالية الجديدة بانهيار اقتصادي كبير في بعض الدول. بينما استطاعت النمور الآسيوية الهروب من السقوط المحتم للإملاءات الغربية، من خلال إجبار الشركات العامة والخاصة العمل وفق خطط واستراتيجيات تنموية ورؤى مركزية.
وتتناسب نجاحات فيتنام مع النمط العام للسياسة الإقليمية، والخصوصية المحلية. طالما تنتهج مساراً اشتراكياً، مع تأثرها بالنمط السوفييتي الذي لم يجعلها تخسر الكثير. بل حافظت على مستوى معيشة لائق واقتصاد وظيفي متميز. ما لم يَرُقْ لأمريكا وشركات جورج سوروسفي محاولة سرقة مواردهم.
وعزا الكثير من المحللين الاستراتيجيين ووسائل الإعلام التحول الأمريكي اتجاه كوريا الديمقراطية للصعود التدريجي والمتواتر للنمور الآسيوية، والتحالفات الاستراتيجية مع الصين وروسيا، بالرغم من النظرة الأمريكية السلبية لهذه الدول، والخوف الحقيقي من جانب دوائر التفكير طويلة الأجل داخل هيكل القوة الأمريكية.
فلم يؤدِ اقتصاد السوق ذو التوجه الاشتراكي لإسقاط سياسات الشيوعية الفيتنامية أو لاستعادة الرأسمالية بل أصبح الحزب أقوى، والاقتصاد أكثر نمواً والسياسة أكثر فعالية وحضوراً. وتدرس كوريا الديمقراطية هذه الاستراتيجيات والإصلاحات محاولة تطبيقها والاستفادة منها.
ومما لا شك فيه أن مسار السياسة الفيتنامية قد اكتسب زخماً واسع النطاق بالتوازي مع التعاون القائم مع الصين، ضمن زيادات ملحوظة بمستويات العيش. فتحدثت تقارير إعلامية عن الإنجازات الكبيرة التي استطاعت فيتنام تحقيقها بالاستثمار الأمثل لرأس المال البشري، والبنية التحتية المترافقة، مع ارتفاع عدد السكان، بالتركيز على تكنولوجيا المعلومات، والصناعة الذكية التي جذبت استثمارات عديدة، وسيطرة الدولة والقطاع العام على مسار الاقتصاد، ورسم الخطط والاستراتيجيات.
وأكدت تجربة فيتنام على الإفلاس الأخلاقي والسياسي للامبريالية الأمريكية، لتؤكد هزيمتها المدوية، وتبين كذلك أن حلم التحرر بالنسبة لملايين الشعوب والطبقات الكادحة لا يمكن تحقيقه في ظل تسلط الرأسمالية وحروبها العدوانية. وهذه الهزيمة قديمة وحديثة بآن معاً لتبقى شبحاً يطارد مخيلات الصقور في البيت الأبيض.

عن «نيو ايسترن آوت لوك»

print