مع بداية الحرب الأمريكية المعلنة لإسقاط الحكم في فنزويلا وتشديد كل أشكال الحصار عليها.. من الطبيعي أن تقل المواد التموينية أو ترتفع أسعارها بشكل يحرم محدودي الدخل من سهولة الحصول عليها، وهذا عادة ما ترغب به الولايات المتحدة لكي تعلن استعدادها لتقديم هذه المواد، ولادخالها بأي طريقة ممكنة، علنية نظامية أو سرية عبر الدول الحليفة المجاورة.. وحين ترفض القيادة الفنزويلية هذه المساعدات تبدأ وسائل الإعلام الأمريكية بشن الحملات ضدها، وتتعمد عدم ذكر أسباب الرفض بطريقة تريد من خلالها تحريض الشعب على الرئيس مادورو الذي كان قد طلب أن تجري أي عملية لتقديم المساعدات عن طريق الأمم المتحدة أو منظمة الصليب الأحمر الدولية وبالتنسيق مع المنظمات الفنزويلية المعنية التابعة للحكومة، وهذا ما رفضته الإدارة الأمريكية لكي تتهم القيادة الفنزويلية بتجويع الشعب.
ويكشف تيد سيندر الباحث الأمريكي المختص بتاريخ السياسة الخارجية الأمريكية في تحليل نشره في 5 آذار الماضي في مجلة «أنتي وور» الأمريكية المناهضة للحروب، أن «التاريخ الأمريكي يثبت أن الرؤساء الأمريكيين كانوا يستغلون عملية نقل المساعدات بهدف إرسال الأسلحة والقنابل والأموال للمتمردين لتخريب البلاد وإسقاط الحكام المناهضين للسياسة الأمريكية».
وهذا ما كان يفعله اليوت أبرامز- الذي عينه ترامب مبعوثه الخاص لشؤون فنزويلا- قبل ذلك بعشرات السنوات حين كان مساعداً لوزير الخارجية لشؤون أمريكا اللاتينية عام 1986 واعترف أنه أرسل مع صناديق المساعدات الأمريكية أسلحة وذخائر وأموالاً للمتمردين في نيكاراغوا.
وكانت الـ«سي آي إي» نفسها- بموجب كتاب جون برادوس الخبير بشؤون التجسس الأمريكي المُعنون «أشباح لانغلي» والمقصود بلانغلي (مقر سي آي إي).. قد نقلت أسلحة وذخائر لعملائها في لاوس أثناء الحرب الأمريكية على فييتنام في صناديق الأرز بحجة أنها مساعدات لشعب لاوس.
ومن الواضح أن القيادة السورية كانت تدرك منذ بداية الأزمة في عام 2011 دور مثل هذه المساعدات لتهريب الأسلحة والأموال للإرهابيين، فرفضت أي عملية لنقلها إلا عن طريق منظمة الصليب الأحمر الدولي أو الأمم المتحدة، ومقرات كل منهما في دمشق، وبالتنسيق الكامل مع منظمة الهلال الأحمر السوري الرسمية ومؤسسات الدولة، وفرضت شروطها بهذه الطريقة رغم أن الأطراف الداعمة للإرهابيين في المنطقة كانت ترسل الإرهابيين والأسلحة والأموال علناً، بعد خرقها حدود سورية سواء عبر تركيا أو غيرها من دول الجوار، وهو الدور الذي تقوم به كولومبيا المجاورة لفنزويلا في أوقاتنا هذه.
لكن الولايات المتحدة لم تكن بحاجة لاتباع الطريقة نفسها مع سورية، لأنها أدخلت وحداتها العسكرية الاحتلالية إلى شمال شرق سورية وأنشأت مقرات عسكرية فيها لمصلحة الإرهابيين فتحولت إلى أكبر ممول مباشر لهم.
ولا تزال وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تؤسس منظمات تحت اسم مساعدات انسانية تقدم لها الميزانيات لكي تخترق الدول المناهضة لسياستها، فبعد تفجيرات 11 أيلول 2001 أنشات وزارة الدفاع الأمريكية منظمة تسمى «مجموعة الخدمات الدولية – HISG» للقيام بنشاطات سرية في 30 دولة، كما استخدمت المخابرات الأمريكية أطباء من المختصين باللقاحات ضد الشلل للتحرك في أفغانستان وباكستان، وتم كشف بعض الموظفين المحليين في مثل هذه المنظمات فاعترفوا لهم بعلاقتها بالمخابرات الأمريكية.
وقبل سنوات نشرت صحف إسرائيلية مقابلات مع إسرائيليين عملوا مع هذه منظمات لمصلحة «إسرائيل» وشاركوا في نشاطات في مناطق في السودان، كان من بينهم طبيبة إسرائيلية مهمتها جمع المعلومات وتجنيد الحلفاء والعملاء.
ومنذ عام 2011 واستهداف سورية، ازداد عدد المنظمات الإسرائيلية التي تدّعي تقديم المساعدات الإنسانية والغذائية أثناء وجود المجموعات الإرهابية على تخوم الجولان المحتل، وكان من بينها منظمة تسمى (إسرائيل 21 سي) كانت تديرها إسرائيلية تدعى (غال لاسكي) أشرفت – بموجب ما نشرته المجلة الإسرائيلية «تايمز اوف إسرائيل» في العام الماضي – على تدريب 2000 من الإرهابيين الذين يطلقون على أنفسهم «الخوذ البيضاء» وقد أقرت بنفسها للمجلة بهذا الدور.

print