في ليبيا يخوض ما يُسمى الجيش الوطني الليبي المستقر في بنغازي حرباً ضد ما يُسمى «حكومة الوفاق» المستقرة في العاصمة طرابلس وحلفاءها من ميليشيات مصراتة.
في الزمن الذي تشكلت فيه «حكومة الوفاق» كانت قطر والسعودية تجلسان إلى الطاولة نفسها مع حلفائهما الغربيين، ينسقان عمليات «ربيع» الناتو في أكثر من بلد عربي.. لذلك تعايش حفتر والسراج ضمن معادلة تقاسم السلطة والثروة في ليبيا، وتحقيق مصالح الدول الداعمة لهما.
لكن قطر والسعودية انتقلتا من التحالف إلى العداوة، وكذلك انتقلت العلاقة بين حفتر والسراج، مع حفاظ كل منهما على مكاسبه، وتجييرها لمصلحة الطرف الذي يدعمه. فما الذي حدث لتكشّر العداوة عن أنيابها وتتحول إلى حرب مفتوحة بين الطرفين؟
الحدث الذي أطلق شرارة الحرب لم يكن ليبياً، بل كان جزائرياً، فالاحتجاجات التي انطلقت في الجزائر تحت شعار «رفض العهدة الخامسة» للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تصاعدت، وامتطتها تيارات مختلفة، لذلك لم تتوقف بعد إعلان بوتفليقة نيته عدم الترشح، وأصبح مطلبها تنازله عن الحكم، ورغم تحقيق هذا المطلب بلغت الاحتجاجات ذروتها، وما زالت مستمرة رغم إعلان شغور منصب الرئاسة، وتعيين رئيس مجلس النواب رئيساً مؤقتاً، حسب الدستور.. وأصبحت تطالب بإبعاد كل الشخصيات السياسية، بهدف خلق فراغ يرى فيه كل طرف من الأطراف مدخلاً لتحقيق أهدافه.. فمن هي هذه الأطراف؟
– الشعب الجزائري الطامح إلى مكافحة الفساد، وتجديد دولته الوطنية، والذي يتم التغرير به بشعارات ثورية وديمقراطية فاسدة، ليستمر في حركة الاحتجاج حتى إسقاط الدولة الجزائرية. لكن جهود الأطراف الداخلية والخارجية لم تحقق النجاح الذي تأمل به، إذ حافظت حركة الشارع على الإيقاع الأسبوعي، ولم تنجر إلى التخريب أو تدمير الممتلكات العامة.
– القوى الإسلامية المدعومة قطرياً، وعلى رأسها جبهة الإنقاذ الإسلامي، التي تعتقد أن أي انتخابات قادمة ستصب في مصلحتها، وأن العائق بينها وبين الحكم سيكون الجيش الوطني الجزائري، الذي يمكن أن يكرر سيناريو الانتخابات التي جرت في عهد الشاذلي بن جديد. لذلك فهي معنية بتفكيك هذا الجيش، وتالياً هي تركز هجماتها الإعلامية على القيادات العسكرية باستثناء القايد صالح نائب وزير الدفاع الذي يتمتع بشعبية جماهيرية، لكن المطلوب بالنسبة لهذه القوى إبعاد الشخصيات الأمنية القوية، حيث يصبح الجيش بلا إرادة أمام (إرادة الجماهير). لكن هذه القوى ترغب في المحافظة على بنية الدولة بهدف إجراء الانتخابات.
– القوى الإسلامية والليبرالية، المدعومة سعودياً وفرنسياً، تمتلك طموحات تقسيمية، على شاكلة مناطق الإدارة الذاتية الكردية في سورية والعراق، وهي تعلم أن «الإخوان المسلمين» هم الأكثر تنظيماً وقوة، وأنها لن تستطيع هزيمتهم في أي انتخابات تجري في المستقبل القريب. فبعيداً عن لاعبي الغيتار والنساء اللواتي يرقصن الباليه في الشارع، فإن الانتخابات تُحسم بطريقة مختلفة. ولنا عبرة بأغاني الشيخ إمام وشعر الأبنودي، وصور جمال عبد الناصر التي ملأت ميدان التحرير يوماً، لكن الانتخابات جاءت بـ«الإخوان المسلمين» ليحكموا مصر، هذه القوى لها مصلحة في سقوط كل من الدولة والجيش لتحقيق أحلامها الفيدرالية، والحصول على حصتها من الثروة.
لكن تماسك الجيش والتفاف الشعب حوله- بعد ما أثبتت «العشرية السوداء» أنه الجهة الوحيدة القادرة على حماية الوطن والشعب- أظهر أن هذه المخططات صعبة التحقيق، لذلك لجأت القوى الاستعمارية وحلفاؤها إلى الخدعة القديمة التي تقول: إذا فشلت المؤامرة من الداخل، فادعمها بقوى من الخارج.. هذا الخارج سيأتي من الشرق، أي ليبيا، أو من الغرب حيث المغرب.
يحلو لبعض «الثورجيين» تصوير انطلاق حفتر في غزوته على طرابلس، وإطلاق الجيش المغربي لمناورات بالذخيرة الحيّة على الحدود الجزائرية، كحدثين مستقلين. وأن «ثورة» الشعب الجزائري حدث داخلي غير مرتبط بالخارج، إن هذه الرومانسية السياسية- التي تصل حد السذاجة أحياناً- تُخبئ خلفها في معظم الحالات انخراطاً في مؤامرة كبرى، ببعديها الداخلي والخارجي.
الاستقرار في الجزائر، وإجراء الانتخابات سيأتي بـ«الإخوان المسلمين»، برأي كثيرين، وهذا يعد انتصاراً لما يُسمى «محور قطر وتركيا»، الأمر الذي يستنفر الحلف السعودي- الإماراتي- المصري. كما أن انطلاق العملية الدستورية ووصولها إلى مُنتهاها، يعني استمرار سيطرة الدولة على ثروات البلاد، بغض النظر عن الرئيس القادم، وهي تجربة عرفتها الرأسمالية جيداً من خلال المحاولة الفاشلة لتصفية «البومدينية» في رئاسة الشاذلي بن جديد، لذلك لن نستغرب ظهور أعمال شغب، وأعمال قنص يُتهم بها الجيش الوطني الجزائري.
الجزائر ما زالت فوق صفيح ساخن، والنيل من استقرارها هدف جميع الأطراف الخارجية، وجزء كبير من الأطراف الداخلية.. المخرج الوحيد هو في يد الجيش الوطني الجزائري، المُطالب بالتجاوز عن الشكليات الدستورية، وإجراء انتخابات الرئاسة بالسرعة الممكنة، لتمتين الجبهة الداخلية في وجه الآتي، الذي لن يكون سهلاً… ما يجعلني أردد مع نصر بن سيار:«أرى خلال الرماد وميض نار… وتوشك أن يكون لها ضرام».

*كاتب من الأردن

print