حسب وكالة «رويترز» نهاية الأسبوع الماضي، فإن مصر قررت الانسحاب من التحالف «الشرق أوسطي الجديد- الناتو العربي» الذي تهندسه الولايات المتحدة تحت زعم «التصدي لإيران والإرهاب وتحقيق الاستقرار في المنطقة» ولكي يكون خادماً لمصالحها بالهيمنة والنهب، وأثار هذا الخبر انتباه العديد من الأوساط السياسية والمحللين على المستوى الإقليمي، واهتمت به إيران التي علق المتحدث باسم خارجيتها، بهرام قاسمي، قائلاً: «في حال كان نبأ انسحاب مصر من جهود تشكيل «الناتو العربي» صحيحاً فإننا نرحب بذلك»، وإن «مصر دولة مهمة وقوية في العالم العربي ويمكن أن تلعب دوراً مؤثراً في إحلال الأمن والاستقرار».
لكن الخبر- ويا للدهشة – غاب بشكل صادم عن الأوساط السياسية المصرية، ولم يعلق عليه الإعلام المصري بالدرجة الكافية، كما لم يناقشه نشطاء الـ«فيس بوك» المصريون (وهم في الأغلب ذوو اتجاه معارض) وهذا شيء يدل ربما على أن الأشياء لا تطفو حسب وزنها أو تأثيرها بل تطفو دوماً لأن هناك من أراد لها ذلك، وعمل على فرضها، من خلال صفحات ممولة وشبكة من الناشطين والإعلاميين واللجان الإلكترونية.
وما إن ظهر خبر انسحاب مصر من التحالف المزعوم، حتى تبارى المحللون العرب والدوليون على تفسيره، وهناك فريق عدّه (اتساقاً مع موقف مصر الطبيعي المتحفّظ على التصعيد المباشر ضد أي طرف إقليمي، والباحث عن أكبر قدر ممكن من الاستقرار، وأن الانسحاب يعبر عن شكل ولو محدود من الاستقلالية الطبيعية عن الرياض وواشنطن تظل متوافرة في سياسة مصر ذات المكانة الكبيرة حتى في أصعب وأسوأ لحظاتها، وكذلك فإنه تعبير عن موقف الجيش الذي لا ينظر للمعركة مع إيران على أنها معركته بل معركة السعودية، كما إن الأمن القومي المصري مرتبط بالدرجة الأولى بالشام وشمال إفريقيا ووادي النيل، وليس بالخليج العربي، وإنه أيضاً رد فعل ما على تهديد وزير خارجية أمريكا مايك بومبيو بفرض عقوبات على مصر في حال أتمّت صفقة المقاتلات الروسية سوخوي 35)، التي يتوقع أن تستلمها مصر عام 2020 و2021، وهو التهديد الذي أطلقه بومبيو أثناء زيارة عبد الفتاح السيسي الأخيرة للولايات المتحدة!. بينما هناك فريق ثانٍ فسّر هذا الانسحاب بأنه (اتساقٌ فقط مع عداء القاهرة لتنظيم «الإخونج» وداعميه، وتالياً فقد جاء اعتراضاً على إلحاح أمريكا وربما موافقة السعودية على إشراك إمارة قطر في التحالف ) ومن المعلوم أن قطر تبادر بالفعل، وقد حضرت الاجتماع الذي عقد في الرياض في السابع من الشهر الجاري، حسب وكالة الأنباء السعودية، كما إن وزير الخارجية القطري كان قد حضر رسمياً مؤتمر وارسو الذي قاده بومبيو في شباط الماضي، بينما لم يحضر وزير خارجية مصر مؤتمر وارسو، كما لم تشارك مصر في اجتماع الرياض الأخير، لكن قطر تربط تطوير دخولها الحلف بحل الأزمة الخليجية.. كما يُفسر هذا الفريق انسحاب مصر (انطلاقاً من وعي مصري بأن استمرار ترامب في الحكم دورة جديدة أمر غير مضمون، وتالياً لا داعي للاستجابة لدعوته والتورط في تصعيد العداء مع إيران، كما من المؤكد أن مصر تبحث عن الاستقرار في سورية، بينما هذا الحلف قد يورطها في الملف السوري سلباً).
وهناك فريق ثالث يرى أن خليطاً من تلك الأسباب هو الدافع وراء القرار المصري، وأن هناك جزيرة وسطاً بين كل تلك التفسيرات، لا تصعّد الأمر لكونه تحدياً ضخماً، كما لا تحصره في دائرة أنه فقط مناكفة مع قطر.
وأياً ما كان الأمر فإن ما تسرب عن الموقف المصري – من دون تأكيد رسمي قاطع حتى الآن.. ولابد من الإشارة إلى أنه من المفترض أيضاً أن يشمل التحالف الأردن، وهي الأخرى تُبدي رفضاً لترتيبات في «صفقة القرن» ولا يرضيها تعامل الدول الخليجية معها مؤخراً.

*كاتب من مصر

print