آخر تحديث: 2020-04-03 04:30:42
شريط الأخبار

حروف الفنان بشير بشير تُجسد أدوارها على مسرح اللوحة بصياغاتٍ مُختلفة

التصنيفات: ثقافة وفن

كل الإشارات في معرض الفنان التشكيلي بشير بشير الذي يُقيمه في بهو دار أوبرا دمشق- تؤكد أنّ ثمة نزوعاً لدى هذا الفنان لأن يضع علامته الفارقة في المشهد التشكيلي السوري.. وسواء قاربت تجربة هذا الفنان ذائقتك الجمالية، أم تنافرت معها.. غير أن الأكيد في هذه التجربة؛ أنها استطاعت أن تأتي بالكثير من عوامل تفردّها، وذلك بما سعت إليه من مُفارقة مشهد تشكيلي ميزته التماثل في الكثير من التفاصيل حتى بات الظن أنه يكاد يصدر من محترفٍ واحد..
بناء عليه
وبشير بشير في سعيه لهذا التفرد لا يذهب بعيداً عن مرجعيات التشكيل السوري في بناء اللوحة، وربما هنا يكمن مثل هذا التحدي في إيجاد أسلوبية مختلفة، وخصوصية مميزة من المرجعيات القديمة ذاتها، ليس هذا فحسب، بل استطاع بشير أن «يُعصرن» الكثير من تلك المرجعيات الكلاسيكية في نتاج لوحة تذهبُ بعيداً في الحداثة حتى تبدو وكأنها منقطعة عن تلك المرجعيات برغم كل ما تبني عليه من جماليات قديمة في المشهد التشكيلي السوري..
وربما هنا تكمن لعبة هذا الفنان اللونية، أي استعارة الكلاسيكيات في التشكيل السوري لإقامة إبداع مُعاصر.. سواء كان ذلك في الخط، أو اللون، أو في التكوين.. غير أنّ الصياغة التي يقوم بتوليفها الفنان بشير من كل ما تقدّم؛ تكمن فيما سعى إليه من تلمس خصوصية تُميز شغله البصري عن النتاج المتوافر في الساحة التشكيلية.. فيكفي أن تذكر مفردة «الحرف العربي» حتى تخطر في ذهنك عشرات التجارب التي نوّعت في الرسم بالحرف العربي من جماعة البعد الواحد وحتى تفكيك الحرف، ومن تقديس شكل الحرف وعدم المساس بتكوينه، إلى جعله نغمات لونية غنائية في لوحة مفعمة بالتلوين.. وكأنّ الفنان التشكيلي هنا؛ يؤكد المقولة القديمة لأحد النقاد العرب «الأفكار على قارعة الطريق» غير أنّ التحدي يكمن دائماً في صياغتها وعمارتها في بناء جمالي وإبداعي جديد..
حتى الأرجوان
صحيح أن بشير بشير، لا يهتم بالتشخيص في اللوحة كثيراً، بقدر صياغة تكاوين بصرية أقرب لشاشة عرض تُظهر قيماً جمالية يأخذ الخط وقوته حضوره الآسر إلى جانب اللون والتكوين، والثالث الذي يقوم على قوة الاثنين السابقين معاً.. الخط الذي يمنح كل هذا الأثر الكبير للحس الغرافيكي، وهذه الألوان التي تتجاور كمجازات اللغة وبلاغتها، ومن تماهي الحرف العربي مع اللون يُشكل بشير عمارته اللونية من دون أن يذهب ليصير حروفياً، أو ينجز لوحة حروفية، بل كثيراً ما يُصرح أنه ليس فناناً حروفياً، وليس خطاطاً، وإنما يأخذ الحرف كقيمة جمالية يُنجز من خلالها صياغته البصرية التي تقوم مداميك عمارتها على تنويعات الحرف وأشكاله، ومن تطويعه ليكون لازمة جمالية في فضاء لوحة تميل لاستعراض بصري أكثر مما تُقدم حالات درامية، بمعنى أن المتعة الجمالية بالدرجة الأولى؛ هي غاية اللوحة عند بشير بشير، وإن كان بكل تأكيد لا يهمل الجانب الفكري في اللوحة، غير أن الغلبة تميل إلى المدى الجمالي البصري فيها، وهو ما أعطى اتجاه التجريد ليكون هو ما يُظن إنه السائد في أعمال كهذه، غير أنّ التأمل سيُغيّر في هذا الظن إلى حدٍّ كبير؛ عندما يتأكد المتلقي من أن صياغة اللوحة وإن غلبت اتجاهاً على آخر، سيبقى المتواري حاضراً، وإن كان بحضوره المتواري والموارب، فكما بقي الجانب الفكري حاضراً في اللوحة، برغم غلبة الجمالي والبصري، كذلك بقي التشخيص حاضراً برغم المدى التجريدي الواسع..
دراما وتجريد
في مختلف الأعمال التشكيلية التي تأخذ اللوحة حاملاً لتقديمها، على الأغلب تأخذ اتجاهين: التجريد ليعطي فضاء اللوحة مدّاً بصرياً عالياً، أو الاتجاه التعبيري الدرامي حتى لا تذهب اللوحة في الحالة البصرية الصرف غير أن بعض الأعمال قد لا توزن بين الاتجاهين، فإما تذهب بالدراما الصرف وصولاً للواقعية والتسجيلية، وإما قد تختزل لدرجة التجريد.. أعمال بشير بشير لا تذهب تماماً صوب التجريد الصرف، بل تبقى تسير على تخوم هذه الدراما التي تظهر في اختزالات مختلفة في تفاصيل لوحة زاخرة باللون، وهو يُركّز على ألوان بعينها.. تلك الألوان التي تُعطي الكثير من التفاصيل الحياتية كالبنفسجي والأحمر والأزرق.. هنا يقوم الحرف العربي بعملية التخفيف من تجريد اللوحة، وذلك في الإشارات التي يرسمها بما يُشير لعمارة سورية قديمة مُخزنة صورها في ذاكرة المتلقي، وذلك من أقواس ونوافذ أو ما يُشير إليها.. بمعنى، الفن الذي يقوم على الاختزال لملامح واقعية، وهنا ثمة أكثر من وظيفة للحرف، وأكثر من مهمة يُحملها الخط هنا.. الحرف الذي يُحرك في الذهن لغة وتعبيراً وقصصاً وحكايات وحتى شعراً وقصائد، وهو في كل ذلك يوفر للفنان تعبيريته الخاصة، بمعنى تأتي الدراما في اللوحة خلفيةً وليست ظاهرة لمصلحة المتعة البصرية تماماً كفيلم سينمائي يستعيض بالصورة ويغلبها على الحوار، ومن ثم على هذا المد البصري أن يحكي الكثير من دون أن يحكي..
خط ولون وتكوين
خطوط تنعقد في مكان، أو تتكور في مكانٍ آخر، وقد تذهب في مدى بعيد، مرة تأتي بعفوية، وأحياناً بديناميكية تبدو مقصودة، وهي في كل تجلياتها تشدُّ المشاهد إلى ما يجري على مسرح اللوحة كشخصيات على خشبة مسرحية.. هنا عقدة تبحث عن حلول، وفي مكان آخر إيقاعات تبتعد عن أن تكون منتظمة ومرات تالية ثمة ما يوحي بالحزم في حيزٍ ضيق يسعى للتحرر.
وفي شغل بشير بشير أخيراً؛ قد لا تكون اللوحة بأبعادها المتعارف عليها حاملاً لتكاوينه اللونية، بعضها يؤلف متواليات، بمعنى تجاورها يكون مقصوداً لتكامل تشكيل بصري ما، وأخرى تكتفي بذاتها.. بل إن هذا الفنان يوحي لك ولاسيما مع غزارة الإنتاج لديه بأنه قادر على أن يجعل أي شيء أمامه يقوم بمهمة الحامل البصري، ولذلك، تجاور في معرضه الكثير من المكعبات والأسطوانات، وبين لوحة صغيرة، ولوحات تذهب بأبعاد واسعة مع ميل بعيدٍ باتجاه احترافي أقرب أحياناً لصرامة الهندسة.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed