رغم قسوة سنوات الحرب الثماني الماضية، إلا أننا كسوريين لم «نتعظ» بما فيه الكفاية.
إذ لا نزال نكرر الأخطاء ذاتها.. لا بل نزيد عليها. وللأسف هذا يحدث على المستوى الفردي، وعلى المستوى المؤسساتي أيضاً.
فمثلاً.. هل يمكن القول إن آلام الحرب علمتنا احترام الآخر، والإنصات إلى رأيه أياً كان، طالما أن هذا الرأي يصدر عن شخص غيور على وطنه، ولا يستهدف به سوى مصلحة البلاد؟.
ربما ما يحدث اليوم يجيب بوضوح عن ذلك، خاصة أن الفئة المعنية بنشر تلك الثقافة -وأقصد بذلك النخب الثقافية والإعلامية- هي أول من يخرقها.
لاحظوا معي «الردح» اليومي لفئة من المثقفين والإعلاميين على شبكات التواصل الاجتماعي أو في الاجتماعات العامة والخاصة، من اتهامات بالتخوين والفساد، إلى إطلاق «المسبات» والشتائم، فتقزيم وتسفيه الآراء والأفكار غير المرغوبة.. وغير ذلك!.
والمثير للاستغراب أكثر هنا، أن هذا «الردح» يحدث في وقت لم تقترب فيه القضايا والملفات المثارة من الشأن السياسي، الذي عادة ما يشكل ساحة للخلاف والصراع في معظم دول العالم.
ولتوضيح المقصود بالفقرة السابقة، نسقط ما ذكرناه على الوسط الإعلامي…
فالإعلامي، الذي ينشر مادة صحفية مؤيدة لسياسة أو قرار حكومي ما، يعتبره البعض منحازاً أو «بوقاً» للحكومة، وتالياً فهو بنظرهم إعلامي «فاسد» يعمل ضد مصالح المواطنين..!.
والإعلامي، الذي يوجه النقد لإجراء أو أداء حكومي ما، يتهمه آخرون بأنه يغرد خارج السرب في هذه الظروف، وربما تصل تهمته بنظر شريحة ما إلى حد وصفه بالإعلامي «المأجور»..!.
والحديث في الحالتين السابقتين يجري عن إعلامي ملتزم بالقواعد المهنية، ويمارس عمله وفقاً لقانون الإعلام، وليس عن إعلامي وجد منبراً لتحقيق مصالح خاصة.. وما أكثرها في ظل حالة الاستباحة التي تشهدها هذه المهنة منذ سنوات..!.
والسؤال: هل هناك مهنياً ما يمنع من تنوع آراء الإعلاميين وأفكارهم؟ وعلى ماذا يستند البعض في تقييم أداء الآخرين والحكم عليهم؟.
وإذا كنا غير قادرين على تحمل بعضنا بعضاً في مثل هذه القضايا.. فهل سنكون كذلك في القضايا المصيرية؟ ثم هل هذا ما يحدث أيضاً في باقي الدول؟.
فإذا كان هذا هو حال النخب والفئات المثقفة، فليس مستغرباً إذاً ما تشهده باقي فئات المجتمع من مظاهر خلل، وشيوع للمخالفات والتجاوزات، وعدم تفهم لطبيعة الظروف التي تمر بها البلاد، بدليل الموقف العام من أزمة الوقود الأخيرة.
هناك قناعة راسخة لدى السوريين كافة مفادها أن ما ينتظرهم في مرحلة ما بعد الحرب أكبر وأخطر مما واجهوه أثناء الحرب، ولهذا فإن توحيد جهودهم وتماسكهم أمر ضروري للتغلب على التحديات القادمة، وإنجاز ما هو مطلوب للوصول بالبلاد إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء.

print