نجحت الضغوط السياسية الأوروبية في دفع الحكومة الألمانية للموافقة مجدداً على تصدير الأسلحة إلى السعودية، وذلك قبل أقل من أسبوعين على قرارها تخفيف حظر تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية للنظام السعودي الذي يقود العدوان المتواصل على اليمن منذ أكثر من أربع سنوات.
انطلقت بريطانيا وفرنسا في ضغوطهما على برلين من أن الحظر الذي فرضته الأخيرة على صادرات الأسلحة للرياض عقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي, يمثل مجازفة من برلين المهددة بأن تصبح طرفاً منبوذاً في صناعة السلاح الأوروبية، الأمر الذي يهدد التعاون المستقبلي ويقوض الجهود الألمانية لتطوير صناعة سلاح أوروبية مشتركة, وخاصة أن قرار حظر تصدير السلاح إلى السعودية دفع خلافات قديمة بين برلين وشركائها الأوروبيين حول قيود الأسلحة إلى نقطة الغليان في ظل تنافس محموم على أسواق السلاح العالمية.
ناهيك عن تهديد مصانع الأسلحة بمطالبة الحكومة الألمانية بالتعويض بسبب قرارها تعليق تصدير الأسلحة إلى السعودية, في محاولة للي ذراعها وجرها إلى رفع الحظر، وبالفعل رضخت برلين للضغوط الداخلية والخارجية وأعلنت استئنافها تصدير السلاح إلى السعودية وإلى دول أخرى تشارك في العدوان على اليمن, في قرار لم يكن مستغرباً لأنه يمثل انعكاساً للنزعة المادية لدى الدول الغربية ولهاثها وراء جني الأموال وإن كان على حساب دماء الشعب اليمني أو غيره.
يضاف إلى ذلك تأثير مصالح الدول على القرارات التي تتخذها في المحافل الدبلوماسية الدولية كمجلس الأمن ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى، وعلى صادراتها للأسلحة، فأغلب تلك الدول تصدّر الأسلحة كأداة للضغط والنفوذ في سياساتها الخارجية بالإضافة إلى أنها تشكّل دخلاً لها, وفي المقابل تحاول الدول المستوردة لتلك الأسلحة أيضاً استخدام ذلك كأداة لتحقيق مكاسب على الساحة الدولية.
وبرز هذا الأمر على نحو خاص منذ مقتل خاشقجي، بعدما تحوّلت الصفقات الضخمة التي وقعتها السعودية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته للسعودية عام 2017، إلى ذريعة أساسية يستخدمها ترامب لمنع محاسبة النظام السعودي على الجريمة، وخاصة بعد أن خلصت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» و«الكونغرس» إلى أدلة تثبت تورط ولي عهد النظام السعودي محمد بن سلمان المباشر في اغتيال خاشقجي.
وفي المقابل، لم تتردّد السعودية في استخدام عقود الأسلحة المبرمة بينها وبين بعض الدول الأوروبية، كورقة ضغط لتعطيل محاولة إدراجها على القائمة السوداء للدول التي تمول الإرهاب, إذ هددت بإلغاء عقود مع دول الاتحاد إذا ما تم إقرار القائمة، وخاصة أنها من كبار مستوردي الأسلحة من الاتحاد الأوروبي, وبالفعل تمكنت السعودية من إحباط عملية إدراجها على القائمة.
وعليه، بات واضحاً أنه عندما تصل المواقف إلى صفقات السلاح التي تقدر بمليارات الدولارات فإن دولاً كثيرة تتريث في اتخاذ قرار بقطع مبيعات السلاح عن السعودية التي تدخل «طوراً جديداً في سياستها الحربية الشاملة» بشكل يجعل أمن نظام بني سعود محصّناً بالمال والنفط من أي تقلبات في المواقف الدولية!.

print