لم يكن لأعمال جميل قاشا التكوّر في زوايا صغيرة، تُعطى عادة للنحت مقابل مساحات رحبة للتصوير، هذا التوزيع المعتاد منذ أعوام في المعارض الفنية، كثيراً ما احتلته كتلٌ صماء بلا هوية واضحة لأصحابها، يطغى عليها التشابه وفوضى الاحتمالات، لذا كان لابدّ من إعادة الاعتبار للمنحوتة السورية بدل الرجوع بها إلى صمت الصنم وتكوّر الحجر، لابدّ من رحلة اكتشاف جديدة للحجر في خلقه الأول إلى تكوينه الأخير، ومنها كان العنوان «من الكينونة إلى الصيرورة».
لأعوام طويلة كان قاشا غائباً عن الساحة التشكيلية السورية، مبتعداً كلياً عن المعارض والمشاركات خلال السنوات الثماني الأخيرة، ربما فضّل النحات الانكفاء على نفسه هرباً من يوميات الحرب الثقيلة، لكن في النهاية كانت العودة محسومة بوصفها رأياً أو موقفاً أعلنه الرجل أخيراً في مواجهة «العبث» القائم فنياً ومجتمعياً، لذا كان الوضوح أول وأجمل ما نعثر عليه في معرضه المستمر في صالة تجليات «حتى 21 /4»، وضوحٌ يشبه سطوع الشمس، لا يحتاج شرحاً من أحد يؤكده لك كلّ مرّة، لكن لا يمكنك أن تتخيل يوماً طبيعياً من دونه.
تمتاز أعمال قاشا بشغل متقن، يظهر في أدق التفاصيل، بدءاً من السطوح الملساء إلى التعرجات المتتابعة والخطوط المائلة، لا يمكن تأمل أي من منحوتاته من دون الشعور بأنها حيّة، ناطقة، تسمع وترى، يمكن لها أن تغضب وتهتاج كالثور تماماً، أو أن تصمت وتفكر كالبومة، في إمكانها أن تعزف وتغني وتبكي مثلنا.
هذه الحرفية المذهلة تستقي من الطبيعة الكثير، من النهر والغابة والصحراء، لكنها لا تتكل عليها في محاولات جعلها شيئاً آخر، قوامه الحجر، فتلجأ إلى الحكاية الشعبية والأسطورة القديمة في إعادة تصوير الكائنات، نرى ذلك في عيني البومة الكبيرتين وصمتها المهيب، في حيوان إغريقي ضخم بين الجمل والثور، في انحناء الخنفسة، واتكاء الحرباء، وهو ما يقدمه قاشا أيضاً في وجوه البشر الباحثة عن سلام ما، في التفاف أجسادها وطولها الفارع، حتى يُهيأ للمتفرج بأن زمناً ما يوشك بأن يبدأ من جديد، زمن لا يعترف بالنهايات، هنا فقط يمكن للمتلقي أن يعرف مكمن دهشته وشعوره بشيء من السعادة.
يبدأ النحات مشواره مع الحجر بالحب، يحتويه ويحمله ويتلمسه ويشكله، يحاوره ويستقي منه ما يريد أن يكونه، كأنه يرد الجميل للأحجار التي قدمته للناس وجعلت منه نحاتاً، يهبها من روحه ولا يرى ضيراً في منحها عمره نصفه أو كله، إمكاناته وطاقته، كل شيء في سبيل أن تظهر كما يجب، ولأنه يؤمن بأن كلاً من المادة والإنسان والطبيعة حالة في حد ذاتها، فلابدّ من التقائها باحترام، لتكون النتيجة جميلة حقاً، وهو ما يحرص عليه في انتقاء أحجاره ثم صقلها وتهذيبها، وفي الأساس يعتمد على حجارة «السربنتين» المستخرجة من مجريي نهري العاصي والكبير الشمالي، التي صقلتها مياه النهرين عبر آلاف السنين ومنحتها ملمساً شبيهاً بالمياه نفسها في كثير من الأعمال، لاحقاً أضاف خامات أخرى لكنه ظلّ ابناً وفياً للطبيعة دائماً، لا يحتاج مغادرتها للتفكير بعمل جديد أو إبداع ما لكونها تفيض بالحيوات والجماليات، كـ «البومة»، التي ظلمتها اعتبارات مجتمعية كثيرة عندنا في حين إنها تستحق حباً وتقديراً أكبر.
في محاولته تطوير تجربته، يحتفي النحات بمجموعة من الإكسسوارات على الحجر كالأسلاك المعدنية والخرز الملون وغيرهما كإضافات أو تكملة، أو كما يسميها تزييناً أو تطبيقاً أو تصعيداً مقصوداً بإضافة أنواع من الحجارة الكريمة والذهب لإتمام التوليف، لكن يمكن الاستغناء عنها عندما تقتصر المعالجة على الكتلة والفراغ اللذين لا يحتاجان إضافات جانبية، يمكن استيفاؤها من خلال كتلة المادة نفسها.
يرى قاشا ضرورة في العرض الفني سواء كان ذلك مجدياً أم لا، فالعرض انسلاخ زمني تقدمه لأنك على قيد الحياة، إذاً يعنيك أن تقدم إنتاجك، وهناك من سيتلقاه، يقبله أو يرفضه، لا مشكلة في الحالتين، «لكن الصمت معادل وحيد للاجدوى التي يشعر بها بعض الفنانين، ولا أحد يعمل في الفن، يمكن أن يكون حاقداً أو كارهاً، الفن يعلم البساطة والمحبة، لا أحد يزاحم الآخر أو يلغيه، كما في الطبيعة، سترى أعشاباً كثيرة ولكل منها وظيفته، وفي بلدنا بالتأكيد كان في إمكاننا أن نقدم أنفسنا كبشر بطريقة أجمل لكن هذا ما حصل»!.
ومع أن قاشا يجد في أعمال نحاتين شباب، جماليات كبيرة، لكن ممارسة النحت لا تزال صعبة من حيث تأمين المكان والأدوات إضافة إلى اعتبارات اجتماعية كثيرة، لذلك فظهور النحات ليس بالأمر السهل، وتبقى أعداد النحاتين على قلتها أو كثرتها مؤشراً برأيه إلى طبيعة المرحلة واهتمام الناس وما يسميه العرض والطلب، فالناس هم من يختارون ما يجب تعليمه لأبنائهم، تالياً غياب هذا التوجه يرتبط بقلة العدد، ويمكن القول والكلام للنحات «إن مجتمعنا لا يبارك ممارسة النحت، ربما لأن قضية الحجر معادلاً للصنم لا تزال قائمة حتى اليوم، ومازالت فكرة الحلال والحرام في النحت مطروحة وفي غيره من الاختصاصات أيضاً».

print