لا أظن أنّ مُصطحلاً آخر؛ يبدو مُلتبساً أكثر من مصطلح النخبة.. «النخبة» المُصطلح الذي طالما تمّ ترديده عقوداً طويلة، و«النخبة» ليس مصطلحاً يخصُّ الثقافة وحدها، بل كثيراً ما انزاحَ «جلبابه» ليشمل مجالات الحياة جميعها.. فثمة نُخبة في الاقتصاد والمجتمع والرياضة، وغير ذلك الكثير.. لكن هل حقاً كانت ثمة نُخبة، بمعنى الذين تكرسوا على مدى تلك العقود؛ هل حقاً كانوا نخبة حقيقية، أم كانوا رُكاماً من الزيف والوهم؟! ألم تُكرسهم وسائل إعلام، وتمنعها عن آخرين؟!، ومن ثمّ من كنا نظنه نُخبة على مدى زمان طويل؛ كانت نخبة هشة، وأحياناً كاذبة، ترسخت بفعل تكريسٍ ما ؟!.

نصفُ قرنٍ.. أكثر أو أقلّ قليلاً؛ الروائيون هم أنفسهم، الشعراء هم ذاتهم.. التشكيليون هم عينهم، وكذلك نجوم الدراما، والسينما والمسرح، وحتى القصة، وغير ذلك من وجوه قدمت نفسها، أو ثمة من قدمها على أنها «النخبة»، وكان على الجميع أن يقتنع بهذه النخبة على مدى العقود، حيث قُدمت لها المنابر التي هي من الندرة بمكانٍ أيضاً، وكان على المتلقي الجد، والأب، ومن ثم الابن وصولاً إلى الأحفاد.. أجيال من المُتلقين، وهي لا تعرفُ في المشهد الإبداعي غير هؤلاء الذين تكرسوا بفعل أكثر من سبب ودافع.. منها: إنهم جاؤوا على ساحةٍ يبدو أنها كانت خاوية، ثم تلقفتهم إيديولوجيات بعينها حزبية ودينية وقومية، وبعد ذلك جرى نفخهم حتى مرحلة الانفجار، وهو ما كشفه إفلاسهم في العقود الأخيرة عندما بقوا يراوحون عند «بيضة الديك» والنجومية البائدة.
عصر «الفيسبوك»
إلى أن كان عصر الفيسبوك؛ الذي كشف كل تلك الهشاشة، أو على الأقل أنها لم تكن الوحيدة على الساحة، وأمثالها كثيرون جداً تمّ غمرهم وإهمالهم في الظل، وقد حُجزت لها المنابر.. لكن مع «ديمقراطية النشر الإلكتروني» انكشف الجميع، وما تمّ التعتيم عليه خلال النصف القرن؛ انكشف خلال ثماني سنوات هي عمر الحرب على سوريّة..
صحيح إنّ الفيسبوك، سلاح ذو حدين كشف عن مواهب جديدة، والأصح أن نقول أظهرها للقراء، لكنه في الوقت نفسه سمح لمن هبَّ ودبّ أن يطلق على نفسه ما شاء من ألقاب وصفات، كما أتاح لغيره أن يصفه بما جادت قريحته من أوصاف.. كلُّ ذلك صحيح؛ غير أنّ ميزة وسائل التواصل الحديثة، إنها لا تُكرّس، ومن حسن الحظ؛ فإنّ أصحاب أرباع الموهبة، أو مدعيها غالباً يسقطون من علوِ هذا الفضاء الأزرق.. ببساطة، لأنّ لا شيء يسند الموهبة هنا؛ غير الموهبة نفسها.. فالكبار يبقون كباراً مهما تطاول عليهم قليلو الموهبة. كيف تمّ ذلك؛ هو ما سنعرفه في تفاصيل هذه الآراء حتى لا نبقى بالرؤية الأحادية ذاتها:
إعادة تموضع
لطالما كان مفهوم «النخب» ملتبساً في العالم العربي بارتباطه بمجموعة ضئيلة العدد تتولى التنظير نيابة عن الناس ـ الأمة لكونها الأكثر فهماً وإدراكاً لمقتضيات العصرنة أو الحداثة، قليلاً ما كان هناك مثقف «عضوي» بتعبير «غرامشي»، موجود بين الناس العاديين، وما فعلته منصات التواصل الاجتماعي أنها أجبرت النخب على إعادة تموضع إجبارية. كما يرى الباحث كمال شاهين، ويُضيف لقد أصبحت هناك زحمة حقيقية أتاحت للجميع ما لم يتح طوال عقود لأصحاب العقل والفكر، منصات تتيح للكل إفراغ ما لديهم من تصورات عن العالم إلى كل العالم، لقد بدت الساحة مكشوفة للجميع لإثبات مواقعهم في فضاء بديل أقل قساوة مما يجري في الواقع، ليس فيه عنف مادي ولا مُضايقات، لنقل: إن ثمة فضاء حراً – إلى حدٍّ كبير- هبّت رياحه من مكان ما؛ تسببت أول مرة في عري حقيقي للجميع، وهو عري ما زلنا نخجل من إعلانه إنسانياً.
طوال عقود لم تحقق النخب أي انزياح في الوعي الجمعي العربي ولم تقدر على تخطي حاجز العاجية مع هذه الكتل الكبيرة الدافقة إلى اللامعنى– يؤكد شاهين-، وعلى المنصات الافتراضية أعيد إنتاج الهباء نفسه، لقد كانت الحياة أبسط بكثير مما نتوقع. وبدا النخبوي بكامل ادّعائه الثقافوي فقاعة ونظرة إلى صفحات أسماء كبيرة وكبيرة جداً توضّح ذلك بمنتهى الواقعية.
في المقابل، أنتج هذا دفقاً هائلاً من الغثاثة واللامعنى، احتل كثيراً الصدارة الافتراضية، وسمحت خديعة الجدوى هذه للعموم بارتكاب حماقات بدت أقرب إلى الحياة والواقع أكثر من كل التنظيرات الثقيلة، شهدنا ارتكاب جرائم باسم الشعر (ليس يسر دولي) و«آه يا حنان» آخرها، وأخرى باسم الدين (آلاف فتاوى القتل والإقصاء واستجداء الغزاة) وأقلها باسم العقل، ولكنها كانت جرائم مطلوبة لتبيان ما هو موجود هناك على الضفة الأخرى للحياة التي لا نعرفها حقاً.. ليس هناك شك في أن الغثاثة لم تكن هي كامل المنتج الافتراضي، هناك من وجد فرصته بعيداً عن ارتهان المؤسسات وفسادها في أغلب الأحيان، عرفنا مبدعين يحصلون على إعجاب كثير من البشر «العاديين» لنصوص جميلة بما حملته من غير العادي في التعامل مع النص وأدواته المفارقِة، وأشخاصاً أقل عاجية يبدعون في ارتكاب حلول سحرية لمشكلاتنا التي لا تنتهي.
لقد كانت التجربة العربية تحديداً مع المنصات الافتراضية الأكثر حدة بين غيرها في ظل انعدام وزن عربي في أي شيء، وما يحصل هناك محاولات لبث بعض الروح في أمة منهكة كثيراً.
منذ جدران الكعبة
يُحاول الأديب أحمد سليمان تتبع الأمر منذ أن عُلقت القصائد على جدران الكعبة من دون أن يعني هذا عدم وجود قصائد أخرى لم يتحقق لها النشر على تلك الجدران الثقافية في ذلك الوقت.. يقول الأديب سليمان: تلك هي المعلقات وتلك هي صحيفة ذلك الوقت أو موقع النشر والتداول التي لم تكن تنجو من تقديرات أولي الأمر أيضاً.. كانت الكعبة وأستارها مدونة العرب في ذلك الزمان.. بعد هذا ستكون هناك مدونة مقدسة تحكم الحياة، وتشير إلى ما بعدها، ومنها ستستمد معايير الحكم والقراءة والسلوك ولن تكون قابلة للتغيير بعد عشرات القرون.. سيعني هذا عدم وجود الصوت الفرد، وفي حال وجوده سيدفع ثمناً باهظاً؛ هو حياته– حسب صاحب الحبر الضال-، حدثت الانقسامات ولكن المركز لم يتزحزح سيعمل العرب على النسخ طويلاً، وسيخترع الغرب الطباعة، ويصبح أمماً قارئة قبل أن تُفكر أمة المعلقات بهذا.. ستكون هناك في الغرب موجات إبداعية تُغيّر المجتمعات قبل أن يفكر العرب بطباعة مجلة للإبداع تنقل تلك الحساسية.. سيّغيّر العلم كلَّ شيءٍ عبر الأقمار الصناعية، وستتطلب معرفة أي شيء جهداً أقل، ولكن سيبقى هناك من لا يريد أن يعرف سوى الشيء نفسه والمرجع نفسه والمؤرخ نفسه والشاعر نفسه، شاعر لا يأتي إلا تالياً وصدىً، شاعر لا يقرأ، بل يُعيد تشكيل أصوات المدونة ذاتها، المدونة التي يصعب تجاوز حدودها.. ومع ذلك؛ فإنّ كل ما سبق يراه سليمان ليس سيئاً، ولكنه ليس جديداً ومدهشاً، برغم وجود بعض الاستثناءات التي حاولت تشكيل الموجات.. موجات الكتابة وموجات القراءة الموجة موجودة دائماً، ولكنك لن تشعر بها إن لم تجد المدى لاندفاعها.
الموجات الباطلة
أما لجهة «الميديا» الجديدة إن كانت كشفت نُخبة هشة؛ يُضيف سليمان: قبل الفيسبوك كل الأمداء ضيقة.. كل تسمية للموجة باطلة؛ موجة شعر.. موجة الملحق الثقافي.. موجة ألف.. نعم مقارنة بهذه الموجة كل موجة باطلة برغم مساوئ الفيسبوك التي لن أشير إليها هنا.. كانت سورية تنجب كل عشر سنوات شاعراً وعن تجربته عدد محدود من الشعراء.. هذا انتهى إلى الأبد خلال سنوات وجودي على الفيسبوك، وهي سنوات الحرب التي أعادتني إلى الكتابة، عرفت مئات الشعراء والشاعرات الذين لم يكن متاحاً لي أن اشعر بهم لولا الفرصة التي يُنتجها الفيسبوك الذي صنع المدى للموجة لتكون وللمرة الأولى بحسنها وقبحها وهي تصنع مدى جديداً وواقعاً جديداً ولغةً وأساليب جديدة وحساسية جديدة وبوضوحٍ عالٍ للشخصية الفردية لم يكن متاحاً من قبل؛ فقد انهارت كل الوصايات والمعابر، ولكن ليس إن لم يكن الشاعر أو الشاعرة في منطقة آمنة دينياً واجتماعياً وعسكرياً في ظروف تلك الحرب التي أعادت بعض المناطق إلى العصر الحجري.. حاولت دائماً تشكيل الموجات التي تقدر على فعل الإزاحة.. إزاحة البليد والعادي المأجور غير الباحث.. لم يكن هذا سهلاً في مكان قبل ترويج السطحي والسخيف الذي لن يغير معادلات سائدة فيه.
زمن الصعاليك الإلكترونيين
نعم.. حين تأتي الموجة بهذه القوة سيتم التشكيك بكل شيء، بدءاً من المعايير والأشكال والهدف والغاية.. من هذا وبشكلٍ خاص في ظروف الحرب التي تُغيّر طريقة الرؤية لكل شيء في الفيسبوك.. سنرى شعراء كباراً حسب المعايير قبل الفيسبوك مجرد شعراء عاديين تتجاوزهم شاعرة مراهقة.. سنرى شعراء صمتوا طويلاً وعادوا مع المعادلة الجديدة للنشر حيث لا رقابة ولا انتظار.. إنها القصيدة تولد حارّة بل شديدة الحرارة، وكأنها تخرج من رحم العالم إلى الضوء.. لم يكن هذا ليحدث في زمن الأوصياء على القصيدة.. كان ثمة تكلف ونفاق يُضعضع الشعر برمتّه، وليس القصيدة، كان الشاعر بمرتبة موظف وبمرتبة عضو في اتحاد ينسج نفاقاً وتكلفاً بشكلٍ لانهاية له وكان هذا سيئاً جداً.. وثمة ما هو جميل الآن؛ يُشخصه سليمان في هذا المدى المفتوح ولا عودة إلى الوراء.. هو زمن الصعاليك الإلكترونيين الآن.. زمن البداوة الإلكترونية ويُمكن فيه لموهبة حقيقية أن تصنع المعجزات، وكل ما تحتاجه هو الوقت والرغبة بتغيير العالم.. قريباً ستنتهي العقائد والأحزاب ويتبلور الفرد وتتبلور المجموعات وإن بدا عكس هذا اليوم بسبب ظروف الحرب.. سيختلف ترتيب المشهد.. المسألة مسألة وقت لا أكثر وإن بدا بطيئاً جداً في هذا المكان من العالم.
سجال مشروع
يثور سجالٌ مشروع في هذه الآونة، عن وسائل التواصل الاجتماعي، يتعلق بالنشر.. كتابة الشعر خصوصاً.. ونشره.. هناك من يعتقد بوجود بعض التسرع والارتجال.. والبعض يقول إن ما يُنشر ليس بالمستوى الذي ينتظره مستقبل القصيدة الحديثة، وأن الحداثة في الشعر تحديداً.. لم تصل إلى غايتها. بشأن هذا السجال يذكر الناقد والروائي علم الدين عبد اللطيف: إن ما تقدّم؛ يمكن أن يكون فيه بعض الصحّة.. لأن طبيعة النشر في الفيسبوك، تنتج بالتأكيد هذه الحالات.. لكن الكتابة والنشر.. هي غاية وهدف مهم.. بغض النظر عن الحكم الذي نطلقه – ولو كنا متسرعين- على هذه الظاهرة.. فالشعر عموماً، كما قال أحد الشعراء الكبار مرة؛ هو فتوحات في أرض اللغة والنفس، والوصول إلى شكل نهائي في القصيدة هو عجز. هذا الكلام لشاعر سوري كبير (محمد عمران).. هذا الشاعر الحداثي كان يُدرك أن التطور في شكل القصيدة؛ هو مسألة صحيّة دائماً.. وإنّ الوقوف أو التوقف عند شكل ناجز للشعر هو مقتل الشعر.
الآن.. لن ندخل في موضوع الحداثة والأصالة، سنقول، نعم، الحداثة تُعبر عن ذاتها.. سواء في الفيسبوك أو غيره وفيما يصدر من أعمال شعرية.. خصوصاً للشباب، وأن يتصدر الشباب منبر النشر.. هو أمر مهم جداً يراه علم الدين لسببين: أولاً: الشباب يفترض أنهم أكثر قدرة على فهم العصر.. والتعبير عنه، فلا تشغلهم مسائل اللغة والبيان والجزالة، التي كانت غاية بحد ذاتها في المشهد الشعري التقليدي.. تفاصيل الحياة.. وتفكيك مركبات التفكير..همومهم وهواجسهم.. مكنوناتهم.. نظرتهم كشباب إلى الحياة.. وماذا تعني.. وماذا تمثل في نظرهم.. تبدو هي غايتهم ووسيلتهم في آن معاً.. ثانياً: وهو مهم أيضاً.. قرأ الشباب الشعراء الذين سبقوهم، ووقفوا طويلاً أو قليلاً.. عند بكائيات الجيل السابق من الشعراء.. ويبدو أنهم أدركوا أن جيل من سبقهم لم يقدم أكثر من البكاء والتعبير عن الفاجعة ربما كان لهم عذرهم الذي نتفهمه في إطار المرحلة التي أنتجتهم.. لكن ما مسؤولية الشباب عن مرحلة غيرهم..؟ وهل يجب أن يتابعوا نوح الآباء؟
يُجيب صاحب «الزمن المتوسط»: عموماً.. المحاولات الشعرية التي تقدم في وسائل التواصل الاجتماعي، هي ظاهرة إيجابية من ناحية الاهتمام بالكتابة والنشر، وتبدو بعض هذه الكتابات متطورة وجادة وتضيف باستمرار للمشهد الشعري ما هو قيّم حقيقة، وبعضها يرقى إلى مستوى عالٍ من الجودة، وبعض الأسماء المهمة والمكرسة شعرياً، تكتب في هذه الصفحات. وعن وسائل التواصل الاجتماعي، نعم أسهمت هذه الوسائل في تطوير الكتابة عموماً، وكتابة الشعر خصوصاً.. فكانت مشجعة ومحفزة، ومنبراً متاحاً لمن يريد أن يقدم نفسه.. وتبدو أهمية هذه المسألة في أن المنابر لم تكن متاحة لأمثالهم قبلاً.. لكن فقط كتعليقٍ أخير، نرجو ألا يعدّ من يكتب القصدة الحديثة الآن في الفيسبوك تحديداً، أنه يُمثل حالة ناجزة، وأنه بحلوله محل كتاب القصيدة التقليدية؛ يمكن أن يُلغيها أو يستبدل نفسه بكتّاب مرحلة هي من التاريخ، صحيح أن ظاهرة النخبة والنخبوية، التي احتكرت المنابر طويلاً، أسهمت في تسويغ وتسبيب ظاهرة استبعاد أو إلغاء كتّاب المرحلة السابقة.. كتّاب القصيدة التقليدية من قبل الشباب كتاب القصيدة الحديثة النثرية منها خاصة.. وبدا أن التحرر من قيود القصيدة القديمة هو غاية وليس سيرورة في إطار التطور العام للقصيدة.. بهذا الخصوص، أما كان كتّاب القصيدة الحديثة – ومازالوا- بحاجة إلى منبر أنتجته القصيدة التقليدية تاريخياً؟.
الحامل والمحمول
المنبر كان حاجة وضرورة لطبيعة القصيدة في المراحل الشفاهية.. إنما الآن، هل تحتاج القصيدة الحديثة.. بما هي وليدة عصر الكتابة والتدوين.. إلى منبر القصيدة السابقة التي يحاولون الحلول محلها في المهرجانات والمناسبات؟! هل إن إلقاء القصيدة الحديثة على المنبر يتيح الوصول إلى مراميها وهي توغل في التكثيف والتركيب؟.
القصيدة الحديثة كما نرى كتبت لتُقرأ وتُعاد مطالعتها أكثر من مرة.. ويبدو بهذا المنبر ليس هناك وسيلة مناسبة دائماً لتوصيل الحالة الشعرية المركبة.. في الفيسبوك تم حلّ هذه القضية؛ فهو كتاب مفتوح، ومحفوظ، ويتيح تجاوز كل هذه الاعتبارات.
بكل الأحوال: ليس بوسع أحد أن ينكر أنه ومنذ دخولنا عصر «الفيسبوك» كنتيجة حتمية للتفجّر المعرفي والثورة الرقمية، أنه قد أصبح منبراً طليقاً للجميع وباختلاف الثقافات والمرجعيات، على ما يرى الناقد أحمد علي هلال حيث مكَّن – هذا المنبر- الافتراضي-الواقعي بآن معاً، من أن يتيح فرص النشر بحرية تامة، وربما نقول هنا قد أصبح إلى حدٍّ كبير بوصفه بديلاً عن المنابر التقليدية، بحيث أحدث فرقاً واضحاً بين مستويات الكتابة والكتّاب، فضلاً عن أنه كشف ما نقصده بالنخبة الثقافية وكيفيات التعاطي معه بخفة أحياناً، وأحياناً أخرى بجدية صارمة، لكنهم في المحصلة لم يعتدّوا به بوصفه لا يخرج عن تقاليد التواصل الاجتماعي بمعناه البسيط، وهذا المنبر قد فتح المجال –على الأرجح- للكثيرين أن يقتحموا عوالم الإبداع المختلفة، ربما منافسة أو شغف حضور أو إثبات وجود، أو طريقة في الحوار لينتزع أكثرهم وهماً بجدارة استحقاقهم كأدباء، ومن اصطلحنا على تسميتهم الأدعياء والجهلة، الذين خلخلوا معايير الإبداع وتوسلوا أن يفرضوا أنماطاً من التداول الإبداعي غريبة وهشة حدَّ التبسيط المخلّ، بمعنى آخر سعوا لانتزاع أدوار بعينها ممن نعدّهم نخباً ثقافية، الأمر الذي جعلنا ننعى المعايير التي أُستبدلت بـ«معايير» جديدة هدمت كل الحدود المحتملة مع النخب، ومع الكتّاب المحترفين، إننا بصدد الاستثمار في الأوهام، وقد تبدو الأمور بنسبيتها مثيرة للأسئلة الشاقة عن الدور الحقيقي للتواصل الاجتماعي، وتشظي أهدافه والتباسها بأهداف أخرى، ذلك أن كثيرين باتوا يتوهمون أن بوسعهم امتطاء قطار المجد الأدبي والإبداعي، مادام «الفيسبوك» يوفر لهم هذه الفرصة ويصبح بديلهم عن المنابر التقليدية على اختلاف وسائلها، لكن ذلك لم يمنع من ظهور أسماء حقيقية بَنَتْ معرفة متراكمة وخاضت في غمار المعرفة وقدمت حساسياتها المتجاوزة خطياً وأفقياً لمن توقفت الذائقة عندهم، ممن ندعوهم بالكبار الذين أربكتهم وسائل التواصل الاجتماعي، فانكفأ بعضهم والآخر بات مراقباً لما يجري بصمت وإن سنحت الفرصة يتندر بانهيار المنظومات الاجتماعية والأخلاقية والإبداعية، من دون أن يقفوا عند انفتاح آفاق النقد خارج أسوار الجامعات، واندياح توثين أسماء بعينها.
يرى هلال: من خلال تجربتي بوصفي جزءاً من هذا العالم الافتراضي- الواقعي معاً، أن مواقع التواصل الاجتماعي بفرضها التقاليد الجديدة في الكتابة والتلقي، بمعنى الانحسار الواضح لأدوار بعينها كانت فيما مضى تمثلها النخب الثقافية (الأنتلجنسيا) التي بدت معزولة تتندر بأزمنتها الفائتة، وتبدي عجزاً عن اللحاق بركب التقنيات المتسارعة، خصوصاً ونحن في عصر الصورة، ما شكّل تحدياً كبيراً لأكثر رموز هذه النخب.
تصاعد الذائقة العامة
إن مواقع التواصل الاجتماعي تبدو كأنها اليوم البديل الحصري عما احتكرته النخب، لأنها فتحت المجال لما يمكن تسميته تصاعد ذائقة عامة، وحدها من تقرر كثافة الاختيارات والاختبارات للكتّاب والمبدعين، فهل نقول بأفول الحساسيات القديمة لتحل معها حساسيات جديدة قدمت أصواتاً بمساحات اختباراتها واختياراتها، للوعي الجمعي والذائقة الجمعية، وهذا إيجابي لأن هذه المساحات هي مساحات اختبار واختمار، والحقيقي من يصل، بطبيعة المغامرة وتنكب مساراتها، وثمة حقيقيون استطاعوا إثبات أصواتهم وكسروا الحدود مع امتيازات النخب، بحيث بدت – هذه النخب- أقرب إلى الهشاشة منها إلى الصلابة والتصلب في أزمنة مضت.
نقول إذاً بسقوط أوهام النخب، وانحسار أدوارها، ولاسيما في الاستحقاقات الوطنية، ونقصد بذلك ما تعرضت له سورية من عدوان كوني عليها، في مقابل علو شأن مبدعين قدمتهم تجاربهم -على الرغم من ندرتهم- ليظهروا في المشهد حقيقيين بما يكفي، لأنهم اختزنوا بذرة المستقبلية في كمونهم الإبداعي، وهم الجديرون باستحقاق لحظة المعاصرة، بوصفها تنطوي على مغامرة مثيرة استدعت حوارات الأجيال وانفتاح تجاربها، إذ ليسوا محض هواة اقتحموا فضاءات التواصل، بل انتزعوا شرط وجودهم رويداً رويداً فيما ظل من تواضعنا على تسميتهم النخب أشبه بجزر معزولة يجترون ثقل أسمائهم، ما خلا من انفتح منهم بوعيه على حساسية ما تبدعه الأجيال الراهنة، ليصطفي منها علامات نهوض تجعل من الثقافة فعلاً جماعياً لا فردياً هشاً، وآيلاً للانحدار.
من جهتي أختم هذه الآراء: وأقول هذه إشكالية متجددة دائماً بين من يدعي النخبوية من الأسماء الأدبية، كانت قبل انتشار مواقع التواصل وازدادت تمظهراً بعد وجودها، أزعم كرأي شخصي أن حلّ هذا الالتباس أصبح بوجود مواقع التواصل أفضل وأوضح إذ لا يمكن التعتيم على تجربة إبداعية – كما كان يحصل سابقاً – سواء أكانت جيدة أو ممتازة أو متواضعة.. والزمن أو التاريخ سيكون خير منصف مهما حاولت الشلليات الآن عدم الإنصاف أو التمييز بين مبدع النص النفيس ومنتج النص المتواضع.. ثمة من يؤكد؛ إن الفيسبوك كشف ما كان وهماً على مدى المنابر التقليدية، وأقصد بذلك النخبة الثقافية، ودليله: تجرأ «الجهلة» على اقتحام عوالم كالشعر والأدب والفن والإعلام، وهم يرددون مادام قد فعلها من يدعي النخبوية فما الذي يعوقني عن فعلها أنا؟.
غير أن «دليلنا» الآخر نحن؛ ظهور أسماء إبداعية وعلى مساحة واسعة تفوقت بنتاجها على ما كانت تدعيه النخبة أنه «معلقات زمانها».

print