تؤرّقني فكرة اللّحاق.. ربما أهتم بأن ألحق فقط بأحلامي.. أما لحاقي بمن سبقني فتلك قصّة يَصعب تحقيقها لأنها مستحيلة رياضياً.. هناك دائما شيء ما ندركه حين نفكر هندسيّا..الهندسة باتت «هندسات» فعلى الأقل أمكننا أن نغيّر مواقعنا ليتغير العالم والحقيقة من حولنا.. نقيس بمعايير تبدو ثابتة لكن الموضوع لا يبقى كما هو حين نفكّر في القياس.. أحياناً- واسمحوا لي أن أنزاح عن المطلب- يقودنا القياس إلى الجحيم.. لأنّنا في القياس نحمل معايير ثابتة نقيسها بالموضوع طولاً وعرضاً، وهناك من يقيس بلا واسطة.. يحصل ذلك فيما هو محل الظنون فينهار الهيكل..إنه قياس إبليس.. إننا في عملية القياس نؤثّر في المقيس..وذلك حسب أهوائنا إن كان المعيار نفسه ظنيّاً، وأحياناً نقترب ليس إلاّ..
لنذهب بالمطلب خارج منطق الرياضيات.. قياسات بها نحيا.. ولكنها تنحدر في لحظات الهوس إلى الانزياح بعيداً عن الظنون المسموح بها.. تصبح مغالطةً.. إنّ الهرولة لا تكفي للّحاق.. ومع أنّ «السلاحف» اليونانية لها بعض الخصوصية فإننا ندرك أنّنا لن نلحق بها.. المفارقة مفصلة عند زينون الإيلي..هذا في السباق البسيط في السياق ذاته والزمان ذاته والمكان ذاته فكيف يتم اللّحاق في الأزمنة المختلفة والسياقات المختلفة والشروط المختلفة؟
يحتاج في دنيا البشر اللجوء إلى جريمة قتل الأب لكي نخفي مفارقة «زينون الإيلي» ونلحق بالوهم.. لن نلحق لأنه لابد قبل اللّحاق بالنقطة الأخيرة من أن نلحق بالنقطة التي ابتدأ منها السابق ولو كان سلحفاة، ولكي نصل إليها علينا أن نصل إلى ما دونها فالأدون والأدون إلى ما لا نهاية.. سأخرج من منطق زينون وحتى من تصوره للحركة، تصوره الذي يبدو أحياناً مثيراً لأننا حين نفكك الحركة نجد أنفسنا أمام مجموعة من الأوضاع الساكنة.. ففي تجارب البشر وجب ألا نفكّر إلاّ في إنجاز مهامّنا.. اللحاق مستحيل وإعادة تمثيل التجارب بطريقة فردية من شأن من لم يقف على سرّ الهندسة..
لا شيء يماثل بعضه في الحياة.. لا شيء إطلاقاً.. وإلاّ سقطنا في محظور تكرر الوجود.. فكل مماثلة تحتوي اختلافاً.. إننا نتقارب في شأنية ما ولكن ليس في كل تفاصيلنا.. من يتجاهل الفروق بدافع مرضية التّقمّص سيشقى.. لأنه لا ينصت لذاته وإمكاناته وشروطه وسياقاته.. مثل «قاتل الأب» سيعيش جرحاً لن يتركه حتى يُصبح مخنّثاً.. فالتقليد الذي يفقد معه صاحبه اعتبار طبيعة التعقيد في الظاهرات هو شكل من العُصاب..هو التبسيط الذي يعوّض تعقيد الواقع بتبسيط الافتراضي.. هو الغرق في عدم الوصول.. فقط نتجاوز معضلة زينون الإيلي حين نؤمن بالزمن العمودي الذي يخرق تراتبية الزمن الأفقي.. وهذا له شروطه أيضاً.. لأننا لن نسير في الزمن الأفقي حتى ننتصر على الغباء.. ولأن قواعد الوصول في الزمن العمودي لا تتحقق بتجاهل المراتب وقواعد السلوك.. وفي الحالتين معا لن نصل..لأننا حتى نصل علينا أن نغير الواقع نفسه والتاريخ والجغرافيا وكل دقيقة من عمر تجاربنا.. إننا فقط نتعلم ولا يمكننا أن نقلّد، فالتقليد هو نفسه خدعة، لأنّ الآخر لا يشبهنا من كل الجهات ولن يشبهنا.. ولأنّ الآخر كينونة أخرى.. سيكون سبب شقائنا وخسران أنفسنا أن نقلد المستحيل وربما نهرع لتغيير الواقع لكي نرسم لحاقاً متخيّلا ونقيم قياساً وهميّاً..
سيصدمنا الواقع باستمرار.. سنواجه خيبات أمل وإحباطات ليس لأننا لم نصل بسبب عدم قدرتنا بل لاختلاف الشروط.. وحين نقول إن الشروط لم تساعدنا فلأنّ المرء لا ينتبه إلى شروطه الموضوعية ويتطلع إلاّ إلى ما متّع غيره من تلك الشروط.. فإن أدركت هذه المسألة فاهدأ وسر حيث قادتك شروطك.. وتصالح مع ذاتك وسياقك حتى لا تكفر بالله والتاريخ والجغرافيا والإنسان.. إنّ الأنسنة لها طريق مشروع واحد.. واحد فقط، هو الاعتراف والسير في الطريق السيار لا فوق الحبال.

*كاتب من المغرب

print