في عام 1939 وفي تظاهرة ضمت حوالي 20 ألف متظاهر في ماديسون سكوير، رفع المتظاهرون الذين ارتدوا الملابس والشعارات النازية، شعار «نتظاهر في سبيل الأميركيانية الحقيقية».. للكثيرين يبدو هذا المصطلح خارج أي سياق تاريخي، فالولايات المتحدة تعد واحدة من دول فريدة في تركيبتها، وهي الدول التي أنشأها المهاجرون القادمون من أنحاء مختلفة من الأرض بعد إبادة سكانها الأصليين، وهذا ينطبق على عدد قليل من الدول مثل أستراليا، لذلك يبدو من الصعب انطباق مفهوم دولة– الأمة على هذا الخليط البشري.
فدولة الأمة، هي كيان سياسي يُبنى على مجموعة من القوانين التي تنظم حياة مجموعة بشرية تنحدر من أصل مشترك. وهذا الأصل يتم التعبير عنه من خلال سردية تاريخية تربط أبناء هذه الجماعة البشرية، بغض النظر عن مدى دقتها، أو حتى حقيقة حدوثها. في الولايات المتحدة التي أعلنت استقلالها عام 1776، امتلكت كل جماعة من الجماعات البشرية التي ضمتها الدولة الناشئة سرديتها التاريخية الخاصة، وتباينت عاداتها وتقاليدها وحتى لغاتها، على نحو يستحيل أن نجمعها تحت مصطلح أمة.
لقد أدرك الآباء المؤسسون نقطة الضعف تلك، لذلك لجؤوا إلى الأنموذج الفيدرالي في محاولة لخلق دولة فوق قومية، لكن ذلك الرأي لم يلق إجماعاً داخل الدولة الوليدة، فبعض أولئك المؤسسين لم يقتنعوا بأن الفيدرالية يمكن أن تحل محل القومية، ومن هؤلاء نوح ويبستر (صاحب معجم ويبستر الشهير) الذي كتب أن على أميركا أن تكون مختلفة عن بقية العالم، فتصنع أمة من مجموعة من البشر المختلفين اليوم، لكنهم سيكونون أجداداً للأميركيين الذين سيولدون غداً، لذلك على أميركا امتلاك حكومتها الفريدة، ولغتها الخاصة، ولتثبيت وجهة نظره وضع في عام 1828 معجمه الأول بعنوان «المعجم الأميركي للغة الإنكليزية».
لقد وجد السياسيون الأميركيون ضالتهم في التاريخ، فقرروا كتابة تاريخ أميركي يروي سردية أميركية، تجعل من الأميركيين أمة مثل بقية الأمم. جاءت المحاولة الأبرز على يد السياسي والمؤرخ الأميركي جورج بانكروفت الذي وضع كتاباً من عشرة مجلدات نشرت مابين عامي 1834– 1874 بعنوان «تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، منذ اكتشاف القارة الأميركية» وفي هذا الكتاب يتنصل بانكروفت من التبعية للتاريخ الأوروبي بعامة، والبريطاني بخاصة، ويرى أن اكتشاف أميركا كان أمراً محتوماً، وأن تاريخها «مغرق في القدم»، فيقول: «أصل اللغة التي نتحدثها من الهند، ديننا أتى من فلسطين، التراتيل التي نرددها في كنائسنا جاءت من إيطاليا، وبعضها من الصحراء العربية، والبعض الآخر من ضفاف الفرات. فنوننا جاءت من اليونان، ونظامنا القضائي من روما».
لقد كانت الحرب الأهلية الأميركية، خطوةً أخرى باتجاه تشكيل مفهوم الأمة الأميركية، فانتصار الشمال عبّر عن نفسه بالتعديلين (14، 15) على الدستور الأميركي اللذين ضمنا المساواة أمام القانون، ومبدأ المواطنة، والحماية القانونية لغير المواطنين. لقد عرّفت الولايات المتحدة الأميركية نفسها منذ ذلك الحين بأنها دولة الأمة الليبرالية «State of Liberal Nation».
في الثلث الأول من القرن العشرين ومع الثورة التقنية وخاصة في مجال الإعلام، بدأت الأمة الأميركية تروي سرديتها خارج نطاق كتب التاريخ. لقد ظهر مفهوم «الكاوبوي» «الرجل الأبيض، القوي، والقاسي والعادل. وهو مستعد للموت في سبيل القضايا العادلة» كما أظهرته أفلام شهيرة مثل «العظماء السبعة» و«من أجل حفنة دولارات» وغيرهما.
استمر الاهتمام بالتاريخ الأميركي، والنقاش بشأن ميزات الأمة الأميركية حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين، عندما شعر الأميركيون بأن خصومهم يتراجعون ويوهنهم الضعف، فتحول التاريخ الأميركي نحو العولمة التي وصلت مداها مع فرانسيس فوكاياما الذي كتب مقاله الشهير «نهاية التاريخ» عام 1989، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والذي أعلن فيه «موت الفاشية والشيوعية» ولم يبق شيئاً يهدد الليبرالية سوى الأفكار القومية، لكنها ليست تهديداً ذا بال لأن:«أغلبية الحركات القومية في العالم لا تملك برنامجاً سياسياً يتجاوز الرغبة السلبية في الانفصال عن مجموعة أخرى من البشر، ولا تقدم مشروعاً شاملاً ينظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية».. لقد تراجع فوكوياما عمّا كتبه، لكنه بالتأكيد، يشعر بالندم اليوم بوجود أشخاص من أمثال؛ ياروسلاف كاتشينسكي في بولندا، وفكتور أوربان في المجر، وماري لوبان في فرنسا، وتريزا ماي في بريطانيا، وأخيرا دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأميركية.
لقد فشل مفهوم الأمة الليبرالية فشلاً ذريعاً، وحل محله اليوم مفهوم الأمة الفاشية، كما يعبر عنها القوميون البيض. ما نسمعه اليوم من ترامب وخيرت فيلدرز هو ما قاله نفسه السياسي الأميركي جون كالهون عام 1848 في نقاش بشأن عدّ المكسيكيين مواطنين في الولايات المتحدة الأميركية، عندما قال: «حكومتنا هي حكومة الرجل الأبيض» وكرره السياسي الأميركي ستيفان دوغلاس عام 1858 «لقد قامت دولتنا على يد الرجل الأبيض، من أجل مصلحة الرجل الأبيض وازدهاره إلى الأبد».
لقد تحول الشعار الذي رفعه القوميون الأميركيون في الحرب العالمية الأولى « أميركا أولاً» إلى شعار عالمي، ليعبر عن فشل مفهوم القومية الليبرالية. إن أميركيانية اليوم، ليست ملكاً للأمة الأميركية، إنها أميركيانية الرجل الأبيض، ليس داخل الولايات المتحدة فحسب، ولكن في أصقاع العالم. إنها مصالح الرجل الأبيض واقتصاده وقيمه التي تحول غزو العالم، ونهب خيراته إلى (عمل وطني).. إنها الوطنية (الأميركيانية) التي تمنع المؤسسات الدولية من محاكمة جندي أميركي يرتكب مجزرة في فييتنام، أو أفغانستان، أو العراق، أو سورية.
لعل الحرب الأهلية الأميركية انتهت بانتصار الشمال الليبرالي عسكرياً، لكن ما يدور في عالمنا اليوم يقول إن المنتصر الحقيقي (مفاهيمياً) كان الجنوب الذي غزت قوميته الفاشية الحضارة الغربية وأصبحت وجهها الحقيقي.

*كاتب من الأردن

print