لابد من أن يكون معروفاً بالنسبة لنا وللأجيال القادمة أن أي تقدم «تقني أو اجتماعي» في الكيان الصهيوني هو بالاعتماد على منظومة الدول الغربية واليهود مغتصبي الأرض الوافدين من الغرب، وفي النهاية فالنظرة الأساسية الخارجية للعدو الصهيوني منذ ما بعد 1948 هي باعتباره «ابن عم حضارياً للأوروبيين» وهذا السبب الأساسي في مساندة القوميين المتطرفين البيض والفاشيين الجدد- الذين يتم التلاعب بهم حالياً- ليهود الكيان، على عكس ما كان الحال قبل الحرب العالمية الثانية، وهو أيضاً الدافع وراء دعم المواطن الغربي لهذا الكيان، إذ يعده أنه يشاركه القيم والأفكار الحداثية ذاتها وسط محيط عربي «متخلف ومتأخر».. ولدعم هذه السردية المزعومة، وعلى سبيل المقارنة، تقوم الأجهزة الدعائية بإبراز أنموذج الحكم الملكي الخليجي الرجعي، مع التعتيم على كون هذا الأنموذج بالتحديد هو المدعوم غربياً، على العكس من الأنموذج الجمهوري العربي التقدمي الذي تمت مهاجمته غربياً وقصفه وتخريبه، كما تتم أيضاً الإشارة للفتن والحروب الأهلية داخل الأقطار العربية، مع إهمال الإشارة إلى الدور الغربي والصهيوني المركزي في إشعال تلك الحروب ومباركتها، وتهيئة الأرضية لها ولتمددها. كذلك، فإن الترويج لـ«المظلومية اليهودية» سواء تاريخياً على يد بعض الكنائس المسيحية الكاثوليكية، أو في العصر الحديث بداية من القرن الـ 19 مع نمو الأفكار القومية في أوروبا، ولفظ اليهود، انطلاقاً من اعتبارهم قوى طفيلية غير منتجة، والزعم بأنهم لا ينتمون إلى أوروبا ثقافياً وعرقياً، وصولاً لمزاعم المحرقة على يد الجيش الألماني.. هذا الترويج يلعب دوراً كبيراً في جلب التأييد للكيان الصهيوني (وبالمناسبة يتشابه الإخونج مع الكيان في المتاجرة بالمظلومية) وهناك طبعاً العامل الديني وهو واحد من العوامل التي تقف خلف توفير التأييد للكيان، ويتمثل فيما يسمى «المسيحية الصهيونية» وهي التي برزت من التوجهات الأصولية الإنجيلية والمناهج التدبيرية لتفسير الكتاب المقدس التي كانت قد ظهرت أساساً في إنكلترا.وإذا وعينا ما سبق، مضافاً إليه عمق الدور الذي تؤديه «إسرائيل» في المنطقة من خدمات لمصلحة قوى غربية نهبوية التوجه، وكذلك الترابط الوثيق بين الحركة الصهيونية والإمبريالية، فهمنا السبب خلف حجم المنح والمساعدات التي يتم تقديمها لهذا الكيان.
ولكن هب أننا اعترفنا بأن في الكيان الصهيوني ما هو متقدم وحديث، فهل يتغير شيء؟..أبداً، تظل النظرة إليه باعتباره عدواً يملك أسلحة ومقومات أقوى، وعلينا تطوير أنفسنا لكي نهزمه.
فالمؤكد أنه عندما يملك عدوك سلاحاً متقدماً (نووياً، على سبيل المثال) فإن الحل الوحيد الذي أمامك، هو أن تطور نفسك كما فعلت كوريا الديمقراطية لتملك السلاح ذاته أو ما هو أقوى، وليس أن تجلد ذاتك، وتتفرغ لمدح عدوك، كما يفعل بعض الليبراليين الجدد أو مدّعي العلمانية، والأمة التي تفقد ثقتها في ذاتها هي تنتحر حرفياً، وتنفذ ما يشبه العملية الجراحية لنزع الروح والحياة من البدن.
في الحقيقة، إن التعصب الديني الذي يحيط بك كعربي، ويتجسد بقوة في التيار الوهابي، يوجد مثله في الكيان، من طائفة الحريديم، وهي متخلفة وربما أكثر تخلفاً من الوهابيين، وتعادي الحداثة وترفض عمل المرأة وتكسّر التماثيل وتطارد الفتيات على الشواطئ وتدافع عن النقاب وتطالب بتطبيق الشريعة وأحكامها بفهم نصّي وجامد.. لكن الفارق أن الغرب دعم وبكل قوة »حريديمك» بل وظّفهم كجيوش لخدمته والنماذج متكررة من أفغانستان إلى القوقاز إلى سورية، بينما ترك الكيان ليتفاعل بأريحية في مواجهة «حريديمه».وبناء عليه، فإن الوعي الدنيوي/ العلماني الجاد لابد من أن يقف على حقيقة الجريمة التي ارتكبها الغرب في حق بلادنا مقارنةً بالكيان، لكن رافعي هذه اللافتات التقدمية -للأسف- مزعومون كأشياء كثيرة، ويظهرون كعنوان فارغ من أي مضمون وطني وحقيقي، وأهم دليل فراغ هو المثالية التي يقعون فيها، عندما يفصلون المشروع التقدمي التحديثي عن مشاريع التحرر الوطني والتنمية الاقتصادية المستقلة (كيف.. مثلاً، سننمّي الريف المصري فكرياً، وهو ما زال قابعاً في استخدام الأسلوب الزراعي ذاته المرسوم على المعابد المصرية القديمة؟، وكيف سننهض بأوطاننا وهي ممزقة ومجزأة.. وسوق محض للمنتجات الغربية؟).

*كاتب من مصر

print