عرضت الفرقة التابعة لمنتدى الشهيد غسان كنفاني في اليوم الرابع من احتفالية اليوم العالمي للمسرح التي تجري عروضها على مسرح دار الثقافة في حمص مسرحية ” الجرافة “، إخراج حسين عرب وتمثيله، شاركه في التمثيل بسام حمزة ، ولبنى. أما التأليف فكنا قد قرأنا ثلاثة إعلانات للمسرحية منذ بدء العام تفيد بأن النص لكمال مرّة والإعداد لهناد ضاهر، لكن دليل المسرحية يوم العرض حمل اسم هناد ضاهر مؤلفاً ! ولا نعرف أي تفسير لذلك، وإن كنا نرجح أن مرّة صاحب النص فهو قد كتب للمسرح ومثّل، في حين أن هناد مثّل وأخرج فقط ، لكن ما يجمعهما أنها خارج سورية ومنذ أكثر من أربع سنوات، وإن كان النص حديثاً فهذه مدعاة للأسف الشديد لأن صاحبه الأساسي لم يكلف نفسه بعد بمراجعة أفكاره البالية، ولا أن يكف عن سرقة أفكار غيره! وهذا ما سنعرض له.

قدّم لنا العرض حسين عرب بشخصية حارس مقبرة ضمن فضاء فارغ إلاّ من لسان قماشي طويل امتد من أعلى الفضاء المسرحي بشكل مائل، وكرسي صغير وبانوهات سوداء غطت كواليس المسرح، ولا نعرف جدراناً لمقبرة بهذا اللون ! وكان بالإمكان تغطيتها بقماشة رسم عليها صورة جدار، لكن المخرج لم يتعب نفسه لكي يضعنا في جو المكان الذي يعرض فيه الحدث، ولا يوجد حتى ضريح واحد مع أن وجوده في بقعة صغيرة لن يفسد “دراما” العرض وديكورها الشَّرْطِي، لنقتنع كمشاهدين باهتمام حارس المقبرة بما يشبه تأنيب الضمير لقتله شقيقته، لكن كيف والمخرج يوافق الكاتب على بناء العمل على جريمة شرف، فهو صاحب شخصية الأخ الذي قتلها بعد أن تبين أنها حامل من جاره نبيل الذي اغتصبها ووعدها بالارتباط وتنكر لوعده وهرب خارج البلاد منذ 35 سنة، ولا يزال يتكرر كابوس الاغتصاب الذي بدأ به العرض وفق ما شاهدنا بخيال الظل على اللسان القماشي، وتعليق حارس المقبرة.

لتفيدنا المسرحية بأن الحارس فضل الحياة بين القبور على الحياة بين الناس دون أن يقنعنا بأسباب ذلك، وهي تذكرنا بمسرحية (الديك) تأليف وإخراج الراحل طلال نصر الدين، لعبها زيناتي قدسية وقاسم ملحو وعرضت في حمص ضمن فعاليات إحدى دورات مهرجان حمص المسرحي.

وعندما تدخل شخصية نيكولاس أو ما كان يعرف باسم نبيل، ومن سياق الحوار بينهما نعرف أن هذه الشخصية تمثّل الغرب بكل قذارته وأنه قادم لجرف المقبرة لتكون طريقاً واسعاً لآلياته فهو مدير شركة إنشاءات ضخمة، إذ يقول ” أنا أستثمر الأفكار، أبيع وأشتري الحضارات، وأحصد الأرواح…”. ولأن فكرة العمل مسروقة فلم يحسن كاتبها معالجتها.

فما علاقة جريمة الشرف بمن يكتسح حاضرك وماضيك ويأكل كل ما تعتز به أو تجلّه ؟ فالغرب إن أراد الكاتب أن لا يرى فيه وكل من يأتي منه حتى لو كان من أصل البلد إلاّ الخراب والدمار، فهذا ممكن دون أن يرتكز ذلك على جريمة شرف، وكان يمكن أن يرتكز على جريمة سرقة مال، فلو أن شخصية نبيل فعلت ذلك وحرمت شخصية كريم حارس المقبرة من ما يمتلكه وبالتالي عجزه عن تأسيس أسرة والارتباط بمن أراد، لكننا اقتنعنا بسبب عزلته في المقبرة. ثم إن مواجهة الغرب وكل من يمثله بتدمير البلد لا يكون من قبل حارس مقبرة ارتضى العزلة لا الحياة لمواجهة صعابها وتحدياتها.

ثم إن الغرب ليس كله شراً ومن يجعله ذلك تقاعس الحكومات في أي بلد، ولذلك هذه المواجهة بين حارس المقبرة وصاحب شركة المقاولات ساذجة ومضحكة، ثم إن الدفاع عن مقبرة مثير للسخرية وكأن صاحب النص لا يعرف أن الحديقة التي هي قرب مسرح دار الثقافة كانت مقبرة وتحولت لحديقة من قبل مجلس المدينة منذ ما يزيد على عشرين سنة ولم يعترض أحد، فالرمزية هنا غير موفقة حتى ولو كانت المقبرة، في السابق حديقةً كما في النص، بما أن زمن الأحداث غائم، حتى ولو كان واضحاً، فالمواجهة بين أصحاب الحق ومن يمثلون الباطل لا تكون بهذه السذاجة الفكرية والمعالجة الدرامية البائسة.

كما أن صاحب النص كأنه لم يكن يحيا في حمص، ففي أول تسعينيات القرن المنصرم تم هدم بناء أثري في وسط المدينة كان يعرف بقصر الدروبي وكانت تشغله في مرحلة سابقة مديرية التربية، ورغم صدور قرار بوقف الهدم إلاّ أن صاحب العقار علم بذلك فسارع إلى هدم  القصر مساءً قبل وصول القرار لحمص لتنفيذه.

ونشير لفريق العمل بدءاً من كاتبه إلى مخرجه مروراً للمتابع الدرامي أفرام ديفيد بضرورة مشاهدة المسلسل المصري ( الراية البيضاء ) للكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج محمد فاضل بطولة سناء جميل، وجميل راتب، والذي كانت لقطة الاختتام فيه مواجهة أصحاب الحق لحركة الجرافة التي تمت سرقة حتى اسم المسرحية منه، أفضل ما في العرض أنه لم يتعد الـ 29 دقيقة، عناصر الصراع فيه واهية جداً ولا أفعال تبنيه، وشابته الملاحظات الآنفة! كان الأحرى بإدارة الاحتفالية عدم إدراجه في فعالياتها.

print