مع ردود الأفعال الرافضة لـ «دعوة» ترامب إلى الاعتراف بما سماه (سيادة إسرائيل) على الجولان السوري المحتل.. ثم صدور ردود الفعل نفسها وعلى المستويين العربي والدولي بعد تحول الدعوة إلى (قرار).. ولكن هل ستتحول هذه الردود إلى أفعال بالتوازي مع تحول دعوة ترامب إلى (قرار)؟
لا شك في أنه كان من الجيد أن نرى ذلك التضامن الواسع مع سورية وحقها السيادي في الجولان، ولاشك في أننا كسوريين اغتبطنا- نوعاً ما- وأول وهلة بهذا التضامن، برغم علمنا أنه لن يتعدى حدود الأقوال، وأنه في الأيام المقبلة سيتحول إلى خيبة أمل كبيرة ونحن نرى البعض يصمت بعدما أدى «واجبه اللفظي» ليمر(قرار)ترامب كما مرت قراراته السابقة بخصوص أخص قضايانا وعلى رأسها القضية الفلسطينية بدءاً من إسقاط حق العودة مروراً بالاعتراف بالقدس عاصمة لكيان العدو وأخيراً- وليس آخراً- ما يتعلق بـ «حدود وأراضي كيان فلسطيني» ضمن السيطرة الإسرائيلية، لناحية اقتطاع أراضٍ من دولة عربية مجاورة، لضمها لهذا الكيان الفلسطيني.. أي لضمها فعلياً إلى كيان العدو الإسرائيلي مادام الكيان الفلسطيني سيبقى تحت سيطرته.
ولكن.. لننتظر لحظة، من قال إن «قرار» ترامب بشأن جولاننا الغالي المحتل أو حتى «دعوته» ستمر.. ما ذكرناه سابقاً عن مرور(قرار)ترامب هو تعبير عما يتمناه ومحاولة منه لفرض وقائع جديدة سياسية وميدانية على الدولة السورية في الجولان السوري المحتل، بعد تيقنه من سقوط الرهان على إسقاط سورية كدولة عربية مقاومة حرة.. وسيدة نفسها وقرارها.
في كل الأحوال.. لم تكن دعوة ترامب «أو قراره» مفاجئاً، حتى المراقب العادي لتطورات المنطقة، والميدان السوري تحديداً، وتصريحات المسؤولين الأمريكيين المتواترة.. حتى المراقب العادي كان يتوقع خطوة ترامب هذه.. وترامب الذي ينام على حرير «التطبيع العربي» يعتقد أن الأمور دانت له وللعدو الإسرائيلي، وأن التوقيت الحالي هو الأفضل لسرقة المزيد من الأرض ومن «المكاسب القانونية الدولية» لـ«إسرائيل»، وعليه لابد من اغتنام الفرصة.. ولكن يخطئ ترامب إذ يعتقد أن الدولة السورية مثلها مثل «أنظمة التطبيع» أو المجتمع الدولي، ستكتفي بالأقوال وردود الأفعال، أو أن سوريّة الجولان (سقطت) بتواصل سنوات الحرب الإرهابية على سورية.. الدولة السورية في الأساس أسقطت منذ سنوات الاعتماد على الآخرين في استرداد حقها السيادي والميداني، باستثناء حلفائها التاريخيين الذين كانوا ولا يزالون معها: روسيا وإيران والمقاومة الوطنية اللبنانية. في سورية، القرارات الأمريكية ليست قدراً محتوماً، فكيف إذا كانت تتعلق بأرض وأهل.. في سورية سيجد ترامب و«إسرائيل» الرد النافذ الحاسم، إلا إذا خلا ترامب عميقاً إلى نفسه، وإلى محرّضيه، ليدرك أن «قراره المرتقب» سيتخطى الجولان بنتائجه وسيكون كارثياً على «إسرائيل» قبل غيرها.. وسيقوض أكثر فأكثر مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، ودولياً.. وإذا لم يدرك ترامب خطورة فعله المتعلق بالجولان السوري المحتل، فليستمر به ولير بأم العين النتائج.. وغداً لناظره قريب.

لنعد السؤال الذي تكرر عقب دعوة ترامب بشأن الجولان السوري المحتل: بأي حق، وبأي ولاية تقرر واشنطن أو ترامب مصير الجولان (أو القدس أو غزة أو الضفة الغربية…الخ).
في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة- المتعلقة بالجولان الذي يعد أرضاً عربية سورية محتلة- ليس للولايات المتحدة ولا لغيرها أي حق أو ولاية في تقرير مصير الجولان: أرضاً أو سكاناً.. إذاً لماذا يتم التعامل مع القرارات الأمريكية باعتبارها واجبة التنفيذ أو يتم الصمت عليها، لتقفز على كل القرارات الدولية ولتأخذ طريقها للتنفيذ.. هذا يعني أن الولايات المتحدة تستمد سلطتها وتسلطها من ضعف الآخرين أو تخاذلهم أو تواطئهم أو تآمرهم.. لا فرق.. وفي اعتقادنا هذه هي النقطة الأساس.
ما قيل.. وما سيُقال!
قيل الكثير في خطوة ترامب المتعلقة بالجولان السوري المحتل، أبرزها ما قيل عن دعم نتنياهو انتخابياً وحمايته من مصير محتوم سينتهي به إلى السجن (بسبب تورطه في قضايا فساد).. علماً أن ترامب والولايات المتحدة ليسا مضطرين لنتنياهو تحديداً، فكل مستوطن إسرائيلي هو نتنياهو في إرهابه وجرائمه، وكل «نتنياهو» يأتي على رأس حكومة العدو سيكون مدعوماً من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وسيكون عُرضة لحملة الابتزاز نفسها التي يمارسها هذا اللوبي على كل رئيس أمريكي مُنتخب أو سيُنتخب..
وقيل إن خطوة ترامب دافعها المتطلبات الاستراتيجية والأمنية لـ«إسرائيل» (ترامب نفسه قال ذلك).. (وهذا يشبه حجة السارق الذي يتذرع بحاجته إلى المال لشرعنة سرقته بدل أن يبحث عن عمل.. وكان وصف مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي- رداً على دعوة ترامب- هو الأدق، عندما وصف «إسرائيل» بـ «دولة» لصوص)..
وقيل أيضاً إنها متعلقة بانتهاء القاضي روبرت مولر من تحقيقاته بشأن التدخل الخارجي المزعوم والتلاعب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 التي فاز فيها ترامب.. مولر قدم تقريره النهائي غداة إعلان ترامب دعوته المتعلقة بالجولان السوري المحتل، ما يعني أن الهدف هو محاولة من ترامب لحرف الأنظاروالتشويش على خصومه الديمقراطيين وإشغال الرأي العام الأمريكي عبر إثارة قضية الجولان، فيمر تقرير مولر بأقل قدر من الخسائر..
وقيل أيضاً إن دعوة ترامب تأتي في أجواء ما قبل الإعلان عن صفقة القرن التي وصلت مرحلتها النهائية الأخطر المتعلقة باقتطاع أراض من دول عربية مجاورة وضمها للدولة الفلسطينية الموعودة، علماً أن معظم المراقبين باتوا متيقنين من أن هذا الإعلان لن يتم ما دامت إدارة ترامب تمرر- وبنجاح للأسف- صفقة القرن (قطعة قطعة) وبما يجعلها تستطيع احتواء التداعيات و(الغضب) بالمفرّق- وليس بالجملة- في حال هي أعلنتها دفعة واحدة.. وفي رأي هؤلاء المراقبين فإن الجولان السوري المحتل هو جزء من هذه الصفقة.
تسلط ترامب.. من أين يأتي؟
كل ما قيل صحيح وإن بنسب متفاوتة، ولكن يبقى الأكثر دقة وألماً ما قيل عن أنه لولا الموقف العربي (الصامت في جزء منه والمُطبّع في الجزء الأكبر منه) لما تجرأ ترامب على تلك الدعوة التي لا يمكن فصلها عن اندفاع معظم الأنظمة الخليجية العربية للتطبيع العلني مع كيان العدو من دون أي مقابل (هل ستتخلى هذه الأنظمة عن التطبيع دعماً لسورية وحقها في أرضها الجولانية؟..لا نعتقد ذلك) هذا التطبيع أسقط كل ما هو متعلق بالأمن العربي وليس فقط بالقضية الفلسطينية ومتطلبات التسوية العادلة للصراع العربي- الإسرائيلي.. وعلى رأسها معادلة «الأرض مقابل السلام» التي كانت مطروحة- ولو ظاهرياً- إلى ما قبل انفجار شرور «الربيع العربي».. وكانت المحطة الفاصلة هي اعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لكيان العدو الإسرائيلي ورد «الفعل الرسمي العربي» الباهت في معظمها.. هذا التسليم بخسارة القدس هو من أوصل ترامب بقراراته إلى الجولان السوري المحتل.
من هنا تأتي سلطة ترامب وتسلطه، وليس حقه وولايته.
أيضاً، الموقف نفسه من الأمم المتحدة، إذ إن (قرار) ترامب بشأن الجولان السوري المحتل يُخالف ميثاقها وتحديداً مبادئ (المادة2) المتعلقة بالحل السلمي للنزاعات ورفض التهديدات المتعلقة بسلامة أراضي الدول الأعضاء.. وسورية دولة عضو في الأمم المتحدة.
في تعليقها على دعوة ترامب، قالت صحيفة «الغارديان» البريطانية: إن ترامب كسر 52 عاماً من الإجماع في الأمم المتحدة الرافض لحيازة المناطق عبر الحرب.. ترامب كسر الأعراف التي سادت ما بعد الحرب العالمية الثانية التي ترفض الاعتراف بأي ضم للمناطق بقوة السلاح.
حسناً، هذا كلام جميل، ولكن ماذا فعلت الأمم المتحدة، وبماذا تختلف مواقفها عن ذلك «الموقف العربي الرسمي الباهت».. ترامب اليوم يريد إسقاط كل القرارات الأممية التي تؤكد أن الجولان أرض عربية سورية محتلة ومنها:
1- قرار مجلس الأمن رقم (497) في 17 كانون الأول 1981، الذي عدّ أن قرار «إسرائيل» فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل، قرار ملغى وباطل وليس له أثر قانوني دولي.
2- قرار الجمعية العامة رقم 35-122 في 11/12/1980 الذي يدين «إسرائيل» لفرضها تشريعاً ينطوي على إحداث تغييرات في طابع ومركز الجولان.
3- قرار الجمعية العامة رقم 35-207 في 16/12/1980 الذي يجدد الرفض الشديد لقرار «إسرائيل» ضم الجولان والقدس.
4- قرار الجمعية العامة رقم 36-147 في 16/12/1980 الذي أدان «إسرائيل» لمحاولاتها فرض «الجنسية» الإسرائيلية بصورة قسرية على المواطنين السوريين في الجولان.
5- القرار رقم «2» للدورة الـ32 لمجلس الأمن في 13/2/1976 الذي يدين «إسرائيل» لانتهاكها المستمر لحقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة وتغيير معالم القدس وتهديم مدينة القنيطرة.
6- القرار «1» للدورة الـ43 لمجلس الأمن في 11/2/1981 الذي عدّ مجدداً أن القرار الذي اتخذته «إسرائيل» عام 1981 بفرض (قوانينها وسلطتها وإدارتها )على الجولان السوري المحتل مُلغى وباطل، ودعا «إسرائيل» إلى إلغائه فوراً.
7- قرار مجلس حقوق الإنسان في 28 آذار 2014 المعنون بـ«حالة حقوق الإنسان في الجولان السوري المحتل» الذي يدين التصرفات الإسرائيلية في الجولان المحتل، ويطالب «إسرائيل» بالامتثال لقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان.
8- القرار «11» الصادر عن «اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات» في الأمم المتحدة في 1 أيلول 1987 الذي يدين «إسرائيل» لانتهاكها حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، ولقرارها فرض (قوانينها وإدارتها) على الجولان.
9- وأخيراً قرار الجمعية العامة في 16 تشرين الثاني الماضي 2018 الذي تم التصويت عليه بالأغلبية وفيه إقرار بسيادة سورية على الجولان المحتل، وعدّ كل الاجراءات المتخذة من سلطة الاحتلال الإسرائيلي باطلة وملغاة.
– إضافة إلى ما سبق، تطرقت مختلف هيئات الأمم المتحدة للجولان السوري المحتل عبر قرارات عدة بشأن أوضاع الأراضي العربية المحتلة والممارسات الإسرائيلية فيها.
كل هذه القرارات يريد ترامب اسقاطها فماذا فعلت الأمم المتحدة ؟.
.. من هنا تأتي سلطة ترامب وتسلطه، وليس حقه وولايته. ربما يفيد هنا أن نعرض للموقف البريطاني خلال اجتماع مجلس اجتماع حقوق الإنسان يوم الجمعة الماضي الذي تجدد فيه التصويت على مشروع القرار الذي يؤكد تبعية الجولان لسورية وإدانة الاستيطان وممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق أهلنا في الجولان.
بريطانيا (و15 دولة أخرى) صوتت ضد مشروع القرار، علماً أن بريطانيا وعشية هذا الاجتماع أعلنت موقفاً غاضباً رافضاً لدعوة ترامب الاعتراف «بسيادة إسرائيل» على الجولان السوري المحتل (ومثلها فعلت الدول الـ 15 الأخرى).. بريطانيا سوّغت تصويتها ضد القرار بالقول: «إنها ليست ضد مجلس حقوق الإنسان، لكن الأخير يولي اهتماماً مُفرطاً لقضية «إسرائيل»، إضافة إلى أن نص مشروع القرار غير متوازن» مشيرة إلى أن هذا الموقف لا يتعارض مع عدّها الجولان أرضاً سورية محتلة من قبل «إسرائيل».
الآن.. كيف لنا أن نفهم هذا الموقف إلا في إطار دعم «إسرائيل»، وفي إطار إيصال رسالة لترامب لاستكمال دعوته وتحويلها إلى قرار، لقد كان اجتماع مجلس حقوق الإنسان فرصة لتؤكد الدول رفضها المطلق والنهائي لدعوة ترامب لكن دولاً مثل بريطانيا اختارت التنصل.. عبر التلاعب والتحايل.
.. من هنا تأتي سلطة ترامب وتسلطه، وليس حقه وولايته.
وقس على ما سبق الكثير مما سنشهده في الأيام المقبلة.
ولكن هذا لا يعني أن قرار ترامب سيمر.
يُخطئ ترامب..؟
لن نقول إن ترامب والمحرضين له يخطئون في قراءة تطورات المنطقة على نحو عام والميدان السوري على نحو خاص، لكنهم على الأكيد يخطئون في قراءة الدولة السورية وإلى أين يمكن أن تصل في الدفاع عن أراضيها.. وسورية قالتها بالفعل: لا حدود للوسائل التي يمكن استخدامها لاستعادة الجولان، سلماً أو حرباً.. مُضافاً إلى ذلك مقاومة جبارة لأهلنا في الجولان المحتل.. مقاومة تنحني لها الهامات، ولن تكون غائبة في المرحلة المقبلة، بل ستتصاعد بكل القوة اللازمة لتكون حاضرة وشريكة في كل نصر يتحقق.

print