ليس من المعقول، بل من السذاجة، أن يتفاجأ مراقب أو محلل سياسي بما (يقرره) الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو يقدم على فعله أو حتى على التفكير فيه.
فهذا الرئيس، ومنذ وصوله الإشكالي إلى كرسي البيت الأبيض وحتى هذه اللحظة، ومع كل يوم يقضيه رئيساً لأعتى قوة غاشمة على وجه الأرض، يخرج على محيطه والعالم (بقرار) أو بـ«تغريدة» على «تويتر» يثير من خلالهما ضجة دولية، أو يشعل فتيل مشكلة عالمية يحتاج أصحاب العقل والحكمة إلى كثير من الوقت لتجاوزها أو احتوائها أو حتى التعامل معها.
ولو كان هنالك جائزة نوبل لمثل هذه الحالات لحصل ترامب على الجائزة بصفته أكثر رئيس أمريكي استعداءً للآخرين داخلياً ودولياً.
آخر ما تفتقت عنه عقلية ترامب المضطربة هو إعلانه أن (الوقت قد حان للاعتراف بضم) الجولان العربي السوري المحتل لـ(إسرائيل) في خطوة تعد سابقة خطيرة لم يجرؤ عليها أي من الرؤساء الأمريكيين السابقين، فضلاً عن كونها تتعارض مع كل الأعراف والقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي صوتت عليها الولايات المتحدة نفسها.
ما فعله ترامب يندرج في إطار القرصنة السياسية للشرائع الدولية التي ترفض احتلال أراضي الغير، وضمها بالقوة الغاشمة وممارسة الاضطهاد والتهجير القسري لسكانها والتنكيل بهم لإجبارهم على (الرضوخ والتعايش) مع الأمر الواقع، وهذا ما عجز عنه الاحتلال خلال اثنين وخمسين عاماً من القمع والترهيب، وليس آخرها فشله في إجراء انتخابات بلدية في قرى الجولان المحتل، وإصرار أهلها الصامدين على مقاطعتها ترشيحاً وتصويتاً، والتمسك بالوهوية الوطنية السورية وعروبة الجولان وانتمائه إلى الوطن الأم كجزء لا يتجزأ من الجغرافيا العربية السورية.
إن تصريحات ترامب وقبله وزير خارجيته وقبلهما السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام مثال حي وصارخ على انتهاك الولايات المتحدة الأمريكية قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان، والتي لا تجيز (فرض السيادة) على شعب بالقوة، وإن ما تشدقت به الإدارات الأمريكية السابقة والحالية عن حقوق الإنسان وحريته في تقرير مصيره ما هو إلا خدعة كبرى تتلاعب بها عندما تريد التدخل في شؤون الدول والبلدان التي لا تروقها سياساتها ولا تأتمر بأوامرها، فتمارس عليها كل أشكال الضغط السياسي والحصار الاقتصادي، وحتى ترسل قواتها العسكرية وأساطيلها البحرية بذريعة نصرة المضطهدين من الشعوب التي تستهدفها، أما حين يتعلق الأمر بالاحتلال الصهيوني والحلفاء الآخرين الذي ينفذون الأجندة الأمريكية فإن حقوق الإنسان تذهب أدراج الرياح، وهنا لابد من سؤال:
لماذا لا تراعي الولايات المتحدة شرعة حقوق الإنسان في ما يتعلق بالجولان السوري المحتل ولماذا لا ترسل قواتها وأساطيلها إلى دول بطريقة غير شرعية، ومن دون موافقة حكوماتها الشرعية، بحجة نصرة حقوق الإنسان هناك؟
إن مصطلح ازدواجية المعايير لم يعد يفي بالغرض لتوصيف السياسة الإمبريالية للولايات المتحدة الأمريكية، والأصح أن الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ صعودها كقوة استعمارية، لا تتبع إلا سياسة واحدة هي سياسة المعيار الواحد المتمثل بانتهاك حريات الشعوب وقرارها المستقل وحقها في اتباع الأسلوب السياسي والاقتصادي والمالي الذي ترغب بانتهاجه، وبحرية كاملة بعيداً عن الحصار والإملاء والترغيب والترهيب.
ليس جديداً أن نقول: إن قرار الكيان الصهيوني (بضم) الجولان في العام 1981 وانتهاكاته التي لا تعد ولا تحصى بحق أهلنا الواقعين تحت نير هذا الكيان، وتهجير القسم الأكبر من أهالي الجولان في العام 1967 بالقوة هو جريمة حرب يجب أن يحاسب عليها هذا الكيان الغاصب، ولكن ما تقدم عليه الولايات المتحدة من تشجيع ودعم لهذا الكيان بالاستمرار في جريمته هو جريمة حرب جديدة لا يعي حكام الولايات المتحدة الأمريكية حالياً مدى خطورتها وآثارها الكارثية على المنطقة والعالم بكامله، وإنها تمهد الطريق لحروب قادمة ومآسٍ تعجز الإدارة الحالية وكل ما ستعقبها من إدارات عن التكهن بنتائجها وارتداداتها.
لو كانت تدرك الإدارة الأمريكية الحالية خطورة تماديها في الغطرسة والعنجهية والتي ستودي بها في نهاية المطاف إلى العزل والانكماش والتقوقع، ومن ثم إلى التفكك والزوال لما «غرد» ترامب بما «غرد» به بل لـ«نعق» في أذن نتنياهو بأن يعيد الجولان إلى أصحابه الشرعيين الآن وليس غداً، وأن يكف عن اللعب بالنار التي ستحرقه مع كل من يظن أن الحقبة الأمريكية برؤيتها الحالية قابلة للصمود والاستمرار طويلاً، ويظن أيضاً أن دولاً عظمى سابقة وأخرى صاعدة ستبقى في موقع المتفرج والمراقب لما يجري في العالم من دون أن تحرك ساكناً أو أن تتصدى لهذه الرؤية المدمرة.
في النتيجة، سواء «غرد» ترامب أو لم «يغرد» فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً، فالجولان سيبقى عربياً سورياً كما كان ومازال، وسيعود محرراً تحت راية الوطن الكبير سورية، ومن كان يراهن عليهم الأمريكي والصهيوني بأن يقدموا له الجولان هدية قد سقطوا مع سقوط مشروعه ومن مازال يراهن عليهم مصيرهم السقوط كسابقيهم، والمستقبل القريب سيثبت ذلك، ولنا في حركة التاريخ عبرة.

print