بتنا نسمع خلال السنوات الأخيرة عن مصطلح الجريمة المعلوماتية (الإلكترونية) وهذا المصطلح لم يكن رائجاً أو معروفاً قبل سنوات الحرب الظالمة على سورية، وبات كل من يملك حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي، بمعرفة أو بغير معرفة يعبر عن رأيه وينتقد شخصاً بعينه أو مؤسسة أو منظومة ما وقد يكون هذا الانتقاد صحيحاً أو غير صحيح ليظهر نوع جديد من الجريمة مع ازدياد عدد المرتبطين بهذه الشبكة وهو ما يسمى «الجرائم المعلوماتية».
الأمر الذي دفع المشرع السوري إلى وضع تشريع خاص لمكافحة هذا النوع من الجرائم والحد من انتشارها وبتاريخ 8/2/2012 أصدر المشرع السوري المرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012 المتضمن «قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجرائم المعلوماتية» الذي أصبح نافذاً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 15/2/2012.
فكيف يرى الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي هذا القانون وما مضمونه؟

جرائم جديدة لا نعرف التعامل معها
يقول أبي حسن -صاحب موقع إلكتروني: أتى قانون «مكافحة الجريمة المعلوماتية» استجابة للتحديات التي طرحتها وفرضتها شبكات التواصل عبر الإنترنت, إضافة إلى المستجدات التي ترافقت مع دخول الهاتف الجوال مفردات حياتنا اليومية.
وبالرغم من أن سنة صدور القانون في سورية تعود إلى عام 2012 لكنه لم يأخذ صداه وأبعاده نسبياً في المجتمع السوري سوى في العامين المنصرمين, ولعل السبب هو عدم تكيّف السوريين مع القانون أوّل صدوره, وربما جهلهم بآليات عمله.. أذكر مثالاً على ذلك ماحدث معي منذ نحو أربع سنوات, إذ تعرضت لقدح وذم عبر «الفيس بوك» من قبل شخصية عامة تنشط في الحقل الثقافي (صاحب دار نشر معروفة), وعندما قصدت المحكمة في طرطوس بغية رفع دعوى قضائية قال لي أحد وكلاء النيابة: «إنّها جرائم جديدة علينا و لا أعرف كيفية التعامل معها, ومع ذلك واجبنا متابعتها».
خلاصته القول: القانون مهم, بمعزل عن مدى تطبيقه من عدمه, إذ من شأن وجود القانون أن ينظّم الحياة الافتراضية إذ يمنع وجوده إمكان استغلال العالم الافتراضي في الواقع المعيش بما يسيء إلى المجتمع والمواطنين, وهذا ما كان يحدث على مدار الساعة, وكنّا نسمع به كثيراً, بيد أنّه بعد أن بدأ قانون «مكافحة جرائم المعلوماتية» يأخذ مجراه في حياتنا اليومية (الواقعية لا الافتراضية) بتنا نقرأ باستمرار عن إلقاء القبض عن بعض مرتكبي تلك الجرائم, وهي جرائم تهدد المجتمع بحق.
قد تكون للقانون ثغراته, وهذا من اختصاص أهل القانون.. لكن وجوده ضروري, والزمن كفيل بالتخلص مما قد يعتريه من نواقص.
ثغرات في القانون
عبد العزيز محسن -صاحب موقع إلكتروني قال: استطاع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الحد من تنامي هذا النوع من الجرائم في مجتمعنا وشكل رادعاً قوياً لمن كان يقوم او من ينوي القيام بانتهاك خصوصيات الناس عبر الإنترنت… وترك القانون ارتياحاً لمستخدمي الشبكة العنكبوتية ولعامة المواطنين على حد سواء، فالجريمة الإلكترونية لا تقع على مستخدمي الإنترنت فقط بل على المواطنين بشكل عام من خلال حالات التشهير والافتراء والابتزاز والأذى النفسي والمادي التي يمكن أن تطولهم ولو لم تكن لهم علاقة باستخدام أي وسيلة تواصل على الانترنت..
وجاء القانون ليغطي ثغرة في التشريعات القضائية إذ كانت هذه الجرائم أو الحالات غير مشمولة في القوانين السورية، واليوم أصبحت هناك محاكم خاصة ونيابة عامة وقضاة متخصصون وبنية تحتية مترابطة ما بين المحامي العام وإدارة فرع مكافحة الجريمة الالكترونية وإدارة الاتصالات والمعلوماتية… إلى ما هنالك.. وتزامناً مع التطور التكنولوجي تطورت أيضاً وسائل الكشف عن المرتكبين والمخالفين لدرجة إنه في الإمكان تحديد مكان حدوث الجريمة الإلكترونية المفترضة وساعة حدوثها ومن قام بها وتوثيقها بدقة.
لكن، وبرغم هذا التطور الكبير لا تزال هناك ثغرات في القانون ومن بينها البطء في إجراءات التحقيق في البلاغات المقدمة من المواطن المتضرر وتعدد الجهات الواجب الحصول على موافقتها للحصول على المعلومات ومن بينها إدارة الاتصالات والوقت الطويل للحصول على المعلومات، وتالياً من الضرورة وجود ضابطة عدلية لديها الصلاحيات الكاملة في كل محافظة والكشف السريع عن أرقام الموبايلات والحسابات المدعي عليها ومعرفة أصحابها وأماكن وجودها وتالياً، يمكن اختصار مدة إجراءات التحقيق وكشف الملابسات وتطبيق العقوبات الواردة في مواد القانون على من تثبت إدانتهم…
ضبط الاستخدام
ويؤكد أيهم محمد أنه مع وجود قانون لجرائم المعلوماتية بل مع تشديد العقوبات خاصة بعد انتشار الفوضى واللامسوؤلية في نقل الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصولاً لنشر أخبار كاذبة والتلاعب بمشاعر المواطنين ولاسيما تلك المتعلقة بالظروف المعيشية، لأن التواصل الاجتماعي وصفحات «الفيس بوك» بعد تطور الهواتف الذكية تربعت على عرش أكثر وسائل الإعلام انتشاراً وأصبح من الضروري وضع قوانين لتنظيم عملها وضبط إيقاعها وتحديداً الثغرات التي يستغلها البعض لتحقيق مصالح خاصة ولمنع التشهير والقدح والذم الذي انتشر بكثرة عبر هذه الوسائل من دون ثبوتيات ووثائق.
ويرى سلمان عيسى أن القانون جاء لضبط استخدام وسائل التواصل فيما لو أحسن تطبيقه فالجريمة الإلكترونية جريمة حقيقية قد تنال من أي شخص وتالياً أرى أن هذا القانون جاء لمنع الأشخاص من التهاون في تناول هذا الشخص أو ذاك.
أما الصحفي محمد حسين، فقال: أنا مع التنظيم وتوزيع المسؤوليات، لكن التشهير كلمة مطاطة كثيراً فإذا كتب صحفي عن الفساد مثلاً في مكان ما قد يعده القانون تشهير، ويحاكم الصحفي مثل أي شخص، وكذلك يمكن لأي شخص كتب بعدم معرفة أن يحاسب ويشرب من الكأس نفسها فهذا القانون يجب أن يكون ناظماً وليس ظالماً فمثلاً لماذا أعاقب وما هو ذنبي إذا كان لي صديق وتحدث على صفحته بشيء يعد مخالفاً للرأي الآخر هل أنا مسؤول عما يكتب، أنا مسؤول عن صفحتي فقط وما ذنبي لأحاسب على كلام اقترفه صديق لي على صفحته الخاصة، وكذلك الأمر حين يكتب الصحفي عن العاملين في الشأن العام مع وجود وثائق بقضية فساد مثلاً هل يعد هذا انتهاكاً لحرمة خاصة.. أسئلة كثيرة تدور في خاطري وأتساءل هل شمل القانون كل من سبق وهل أنصف المظلوم؟
الجرائم التي يعاقب عليها ..
المحامي العام في طرطوس القاضي محمد علي سليمان أوضح أن من يقوم بارتكاب الجريمة المعلوماتية يمتلك معرفة ومهارة هو غير مسؤول وقد تكون بدوافع شخصية مالية ذهنية … وقد تصل بعض الجرائم لانتهاك سيادة الدولة.
وأضاف: لقد حدد القانون تسعة بنود لكنه من الممكن أن ترتكب جرائم أخرى عن طريق الشبكة الذكية غير مشمولة في العقوبات المذكورة في القانون رقم /107/ لعام 2012 فهي أيضاً تعد جريمة معلوماتية لكونها ارتكبت عن طريق تلك الأجهزة ويعاد بعقوبتها إلى القانون العام مع تشديد العقوبة.
بين المحامي محمد ماجد علي المتخصص في الجرائم المعلوماتية الجرائم التسع التي يعاقب عليها القانون وهي:
جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية:
إذ حدد المشرع عقوبتها بعقوبة جنحوية الوصف وهي الغرامة من/٢٠ /ألف ليرة إلى /١٠٠ /ألف ليرة وهي ذات وصف جنحوي لأنها تجاوزت الـ/٢٠٠٠ /ليرة.
ومثالها: ما قام به القائمون على موقع ويكيليكس من عمليات اختراق إلى المواقع الإلكترونية لبعض الحكومات كالبيت الأبيض الأمريكي والبريد الإلكتروني للعديد من الجهات الحكومية ونشرها عبر الإنترنت من خلال موقع إلكتروني مخصص لهذه الغاية.
جريمة شغل اسم موقع إلكتروني:
وقد حددت عقوبتها بعقوبة جنحوية الوصف وهي الحبس من شهر إلى ستة أشهر والغرامة من /100/ألف ليرة إلى /500/ألف ليرة.
وكذلك جريمة إعاقة الوصول إلى الخدمة.
بعقوبة جنحوية الوصف وهي الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من /100/ألف إلى /500/ألف ليرة.
ومثال ذلك
Attack DoS وهي هجمات تتم عن طريق إغراق المواقع بسيل من البيانات غير اللازمة يتم إرسالها عن طريق أجهزة مصابة ببرامج، الأمر الذي يسبب بطئاً في الخدمات أو زحاماً مرورياً في هذه المواقع ويسبب صعوبة وصول المستخدمين إليها.
وبخصوص جريمة اعتراض المعلومات من دون وجه حق فقد نصت الفقرة الأولى من المادة /١٨ /من قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجرائم المعلوماتية على أن عقوبتها هي الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من /١٠٠ /ألف ليرة وحتى/500/ ألف ليرة.
أما إذا تم الحصول على المعلومات عن طريق الخداع فقد جعل المشرع العقوبة أخف وهي الحبس من شهر وحتى ستة أشهر والغرامة من /١٠٠ /ألف ليرة وحتى /500/ ألف ليرة سورية.
بينما جريمة تصميم البرمجيات الخبيثة واستخدامها:
فقد حددت عقوبتها بالحبس من ثلاث إلى خمس سنوات والغرامة من /500 /ألف إلى /2,5/مليون ليرة.
كما عاقب على جريمة استخدام البرمجيات الخبيثة بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات والغرامة من /٢٠٠ /ألف وحتى مليون ليرة.
بينما جريمة الاحتيال عن طريق الشبكة:
فقد أفرد المشرع عقوبتين لجريمة الاحتيال عبر الشبكة الأولى بسيطة والثانية مشددة
أما الاستعمال غير المشروع لبطاقات الدفع فقد عدها الشرع
جريمة إلكترونية ومثالها في عام ٢٠١١ قامت مجموعة من الأشخاص بتزوير بطاقات الدفع واستعمالها في سحب النقود عن طريق قيام أحد أفراد هذه العصابة بالوقوف أمام أجهزة الصراف الآلي وانتحاله صفة موظف مسؤول عن أمن الصراف وقيامه بطلب البطاقات من أصحابها لفحصها على جهاز إلكتروني موجود في حوزته للتأكد من سلامتها وبعد قيام المجني عليهم بتسليمه بطاقاتهم يقوم بتمريرها على جهاز ماسح إلكتروني لنسخ بياناتها ومعلوماتها ثم يتم تزوير بطاقات تحمل البيانات الحقيقية ذاتها ومن ثم يتم سحب مبالغ من أجهزة الصراف الآلي داخل القطر وخارجه وقد تمت ملاحقة هذه العصابة بجريمة الاحتيال وفق المادة /641/من قانون العقوبات لأنها ارتكبت قبل صدور قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجرائم المعلوماتية.
وكذلك عدّ المشرع جريمة انتهاك الحياة الخاصة، من الجرائم الإلكترونية
وقد عالجتها المادة /23/من قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجرائم المعلوماتية:
وحدد عقوبتها بالحبس من شهر إلى ستة أشهر والغرامة من مئة ألف إلى خمسمئة ألف ليرة لكل من نشر عن طريق الشبكة معلومات تنتهك خصوصية أي شخص من دون رضاه حتى ولو كانت تلك المعلومات صحيحة.
تأخير البت في جرائم المعلوماتية
يعود سبب التأخر في الفصل في الجرائم المعلوماتية كما بين «علي» إلى حداثة هذا النوع من الجرائم في أروقة القضاء السوري وما يتطلبه هذا النوع من دقة عالية وخبرة تقنية في التعامل مع الأدلة الرقمية إضافةً إلى الكم الهائل من الدعاوى التي عرضت على القضاء السوري في هذا المجال إضافةً إلى قلة الكوادر الفنية المختصة.
لكن الجهات المختصة تسعى وتعمل جاهدةً وفق الإمكانات المتاحة لها لملاحقة المشكو منهم وتنظيم الضبوط الخاصة بكل جريمة وإحالتها إلى القضاء المختص ليصار إلى إيقاع العقوبة المناسبة بكل من ثبت ارتكابه للجرم المسند إليه.
بحاجة لتعديل
واقترح المحامي العام في طرطوس ضرورة إخضاع القانون الحالي لتعديل ليواكب الجرائم التي لم يتم ذكرها في متن القانون إضافة إلى أهمية نشر الثقافة القانونية بين أبناء المجتمع وفي كل المؤسسات لما لها من أهمية في الحفاظ على ثوابت الدولة والمجتمع.. ويعزو سليمان ازدياد الجرائم المعلوماتية المرتكبة مؤخراً إلى جهل المواطن بهذه الجرائم ومنعكساتها الخطيرة على الفرد والمجتمع .
واقترح المحامي «علي» ضرورة إنشاء مواقع إلكترونية متخصصة في تلقي الإخباريات والشكاوى المتعلقة بالجرائم المعلوماتية لأن تقديم الإخبار أو الشكوى عبر الإنترنت يسهل عملية إعلام السلطات المختصة بوقوع الجريمة, كما يؤمن الحماية لمقدم الإخبار الذي يظلّ في أغلب الأحيان مجهولاً و تعزيز الحوار الودي بين الآباء و الأبناء.
ورفع مستوى الوعي والإدراك لدى الأطفال تجاه ما يمكن أن يصلهم من محتوى غير لائق ، وتوعيتهم بأهمية عدم ذكر أي معلومات شخصية أو أسمائهم الحقيقية أو أرقام هواتفهم أو عناوينهم أو حتى عنوان البريد الإلكتروني لأي أحد على الشبكة من دون إذن الوالدين.

print