ثرواتٌ طبيعيّةٌ وبشريّةٌ كبيرةٌ تتمتّع بها سورية رمتها في مهبِّ أطماع الدول المتخمة بهوس استنزاف خيرات الشعوب وتدميرَها، فكان لزاماً على الحكومة مع اتساع النشاط الزراعي وبدء تعافيه وعودة أكثر من /75/ ألف منشأة صناعية للعمل وضع استراتيجية تنمية حقيقيّة تعتمد في الدرجة الأولى على تسخير هذه الثروات وتوظيفها بالشكل الأمثل في دعم سياسة الصناعات المصنّعة لأنها بدائل للواردات وتحديث الزراعة عن طريق الصناعة وتعويض الواردات بالإنتاج المحلي الذي أثبتت التجارب قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي.

مشروع إحلال المنتج المحلي بدلاً من المستورد الذي صدق عليه مجلس الوزراء ضمن خطة الحكومة لإحلال 40 صناعة محليّة تضمّنتها قائمة المستوردات خلال العام 2016 ، هي خطوةٌ كان من الطبيعي توقعها بعد زوال الأسباب التي اضطرتنا إلى فتح باب الاستيراد على مصراعيه لتوفير احتياجات المواطنين الأساسيّة في ظلِّ عجز الإنتاج المحلي عن توفيرها بعد أن دمّرت الحرب أغلب موارده.
حتمية الترشيد
ومع جزمه بأن إقرار برنامج إحلال المستوردات سيساهم في توفير القطع الأجنبي، ودعم الصناعة الوطنية وتخفيض أسعار المنتجات وزيادة القدرة الشرائية للمواطن يؤكد وزير الصناعة المهندس محمد معن جذبة أن عدم ترشيد الاستيراد هو أكبر خطر يعوق المساعي الرامية إلى تطوير الصناعة المحلية عبر إيجاد جوٍّ من المنافسة غير العادلة بين السلع المصنّعة محلياً والسلع المستوردة، ما سيؤدي إلى إغلاق العديد من المعامل والورش وامتناعها عن الإنتاج، إضافةً إلى عزوف الكثير من المستثمرين المحليّين عن إقامة صناعات جديدة وتحمّل مخاطر الاستثمار فيها في حال توفر الأجنبي منها.
حديث الأرقام
بالأرقام وحسب تقرير صادر عن وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، بلغت قيمة مستوردات سورية من مستلزمات الصناعة لعام 2018 /3.9/ مليارات يورو مقابل /1.5/ مليار يورو لعام 2015، حيث شكلت مستلزمات الإنتاج 75% من المواد المسموح باستيرادها. وزير الاقتصاد الدكتور محمد سامر الخليل عدّ أن هذا التركيز خلال السنوات الماضية على تقديم التسهيلات اللازمة لاستيراد المواد الأولية والآلات والتجهيزات اللازمة لإعادة إحياء الصناعات التي دمرتها الحرب أدى إلى استعادة العديد من القطاعات عافيتها، الأمر الذي يعني حكماً توافر بدائل للمستوردات في السوق المحلية، وزيادات لاحقة في الإنتاج تؤدي إلى زيادة الفائض المتاح للتصدير. ووفقاً لما أعلنته وزارة الاقتصاد فإن قائمة المواد والسلع التي يمكن طرحها للإنتاج محلياً كبدائل عن المستوردات ضمت كلاً من الحبيبات البلاستيكية والأدوية البشرية غير المصنّعة محلياً والأقمشة غير المنتجة محلياً وأجهزة وألواح الزجاج بكل أنواعها.
75مليون يورو
فعلى سبيل المثال لا الحصر، تجاوزت قيمة المستوردات من مادة الورق خلال العام الماضي 74 مليون يورو، وإدراج هذه المادة ضمن برنامج إحلال المستوردات من شأنه أن يوفر هذه الفاتورة العالية من تكلفة الاستيراد، خصوصاً مع القرار الذي تم اتخاذه باعتماد سعر استرشادي لاستيراد هذه المادة يصل إلى 400 دولار للطن الواحد المستورد منها.
الخميرة
وفيما يتعلق بمادة الخميرة أقرّ مجلس الوزراء جملة تسهيلات لازمة لتشغيل معمل القطاع الخاص خلال وقت قريب لا يتجاوز الشهر الخامس من هذا العام في محافظة ريف دمشق، وتصنيف مادة المولاس التي تشكل المدخل الأساس لإنتاج الخميرة كمادة أولية، وتالياً تخفيض الرسم الجمركي المفروض على استيرادها من 10% إلى 1 أو 5%، وتسعير المنتج النهائي لمصانع الخميرة وفقاً للتكاليف الفعلية، وعدم فرض أي أسعار إدارية على المنتجين إلى جانب ضبط موضوع تهريب المادة.
الإطارات
صناعة الإطارات التي تعتمد على خلط مواد أولية جميعها مستوردة كانت على رأس قائمة المواد التي ترغب الحكومة في تصنيع بديل محلي عنها، علماً بأن حجم المستوردات من الإطارات لعام 2018 بلغ 22.7 ألف طن بقيمة 28.6 مليون يورو، ومع توقف معمل صناعة الإطارات الوحيد في حلب عن العمل منذ عام 2011 نتيجة التدمير الذي لحق به تم الاتفاق على منح التسهيلات اللازمة لإقامة معمل آخر للإطارات وتوفير المكان المناسب بما يراعي المتطلبات البيئية وتشجيع إنجاز هذه السياسة المهمة يتطلب جملة خطوات من المهم جداً القيام بها كتحديد الإجراءات الحمائية لتفادي الوقوع في إنتاج السلع الاستهلاكية ذات الربحية المرتفعة، والتسويق السليم للفرص الاستثمارية الخاصة بهذه السلع لجذب المستثمرين وإقناعهم بجدوى الدخول في هذه الاستثمارات وتقديم التسهيلات اللازمة لهم، واللجوء إلى تخصيص أراضٍ معلومة من الدولة مع دعم سعر الفائدة للقروض الممنوحة لإنتاج هذه السلع من ضمن 20 مليار ليرة المخصصة في موازنة العام 2019 وتخصيص الراغبين بمقاسم في المدن الصناعية بأسعار تشجيعية مع زيادة عدد الأقساط وإعفاء مستوردات الآلات والتجهيزات وخطوط الإنتاج من جميع الرسوم الجمركية والمالية، والإضافات غير الجمركية في مرحلة التأسيس شرط استخدامها حصراً لأغراض المشروع.
التصنيع الغذائي
وبالعودة إلى الخصائص التي تميّز مجتمعنا المحلي يكفي الإشارة إلى المكانة العالمية التي يحتلها زيت الزيتون والقطن والقمح والذرة والشوندر السكري والكمون وغيرها من المنتجات الزراعية السورية حتى ندرك القيمة المضافة الكبيرة التي في الإمكان تحقيقها في حال توفير مستلزمات تصنيع هذه المواد محلياً بدلاً من الاعتماد على تصديرها كمواد خام تحقق ربحاً وفيراً للدول المستوردة، ولعل انتهاج سياسة إحلال المستوردات سيخدم بالدرجة الأولى التصنيع الغذائي الذي تسعى الحكومة إلى تنشيطه سواءً بنشر مشاريع التنمية الريفية في الأرياف التي تشهد وفرةً في المواد الأولية أو بتقديم تسهيلاتٍ للمستثمرين في هذا المجال.
مكافحة التهريب
حملة مكافحة التهريب الواسعة التي تشهدها الأسواق السورية التي تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي لها دورٌ أساس في إنجاح سياسة إحلال المستوردات، حيث بيّن مدير غرفة تجارة دمشق عامر خربوطلي أن المعوقات أمام توجه إحلال المستوردات تتعلق بالمنافسة الخارجية من قبل السلع المهربة التي تدخل بطريقة غير نظامية، إضافة إلى اقتصاديات الحجم الكبير بمعنى أن تكون التكلفة مقبولة للبدائل لكي تكون قادرة على منافسة السلع المستوردة، خصوصاً السلع التي من غير الممكن منع استيرادها كتلك القادمة من منشأ عربي ضمن اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية، لكن هذه السلع تكون بتكلفة أعلى من السلع المحلية الأمر الذي يفتح جو المنافسة. هاجسٌ، لم تمنع الصعوبات التي يعانيها الاقتصاد السوري القائمين عليه من التفكير به والتخطيط له، وهو الاكتفاء الذاتي، برغم تخوّفات عديدة من أن تؤدي الحماية المرتفعة والمستمرة للمنتجات المحلية إلى ضعف أو تدهور الجودة والكفاءة، وتالياً غياب القدرة على المنافسة، وهنا يكمن أهمية دور الرقابة في محاربة الاحتكار وتهيئة البيئة المناسبة للصناعة المحلية لتستعيدَ رونقها وتثبت من جديد أنها صناعة متطورة متجددة لا تموت.

print