دفعـني للكتابة في هذا المجال، ثلاث استقالات متلاحقة عـلى مدى أيام: استقالة وزير النقل المصري بعـد حادث القطار في محطة رمسيس/القاهرة، تلتها استقالة وزير الصحة التونسي إثر وفاة (11) طفلاً بحالة تسمم في أحد المشافي، ثم استقالة وزير أمريكي لاختلافه مع سياسات رئيسه!
ولايزال بعـضنا يذكر استقالة وزير الثقافة المصري (الذي دام في منصبه ربع قرن) الفنان فاروق حسني في 2005 بعـد حريق دار الأوبرا!
وهنا نتذكر تعـاطفنا مع دريد لحام – المغـلوب عـلى أمره- في فيلم الاستقالة؛ لما تقدم بها كمدير شريف وانزوى في بيته منتظرا ً هاتف الوزير لعـودته (الهاتف الذي لم يرن قط)!
طرفة في السياق ذاته: كان كل الموظفين يضحكون بشدة لنكات المدير السخيفة إلا واحداً؛ فسأله المدير عـن سبب صمته؛ أجاب بهدوووء: «تقدمت باستقالتي الأسبوع الفائت»!
يكافح المرء طوال شبابه دراسة وكدحاً حتى يصل لوظيفة معـتبرة، ولكن لعـدة أسباب سنعـرضها لاحقاً..يضطر للاستقالة!
يتعرَّض الموظَّف في كثيرٍ من الأحيان إلى ضغوط تُجبره على التقدّم بطلب استقالة من وظيفته، ومن المعروف أن ترك الوظيفة لا يتم من دون العديد من الإجراءات، وعند الاستقالة يجب تبيين العديد من النقاط المهمَّة:
ومن بينها أن يكون نصُّ الاستقالة مختصراً وأسلوب التخاطب لائقاً وخالياً من التجريح، كما يجب ذكر سبب الاستقالة بوضوح مع الأسباب المقنعة.
أوّل سببٍ يدعوني لتقديم استقالتي هو أنني لم أعد أرى نفسي في هذه الوظيفة، ولم يتبقَ لديّ شيئاً جديداً أقدمه لها، وإنني أخشى أن تُصبح تأدية عملي روتيناً يومياً مملوءاً بالرتابة والملل.
أشعرُ بكمٍّ كبيرٍ من المشاعر المختلطة بين الحزن لترككم، والأمل بآفاق جديدة.
وكما يقول فيلسوف بريطاني: الطبيعـة عـلّـمتني الاستقالة عـند اللزوم؛ تماماً كما تسقط أوراق الشجر في الخريف. للتعرف على الوقت المناسب للاستقالة من عملك والبحث عن مكان آخر، ابحث عن إحدى العلامات: إذا ظللت في مركزك الوظيفي نفسه فترة طويلة، ولم يكن هناك صدى واضح للمجهود الذي تبذله؛ إذا لم تكن تتعلم مهارات جديدة، إذا كانت هناك حالة فرار جماعي من المؤسسة، إذا كانت هناك إعلانات كثيرة تطلب موظفين في مجال تخصصك.
استقال مسؤول رفيع في الحكومة اليابانية بعد أن أوردت مجلة خبراً مفاده أنه ركب القطار ببطاقة مجانية، أكرر: «بطاقة مجانية»! يعني: إخواننا اليابانيون لو اطلعوا على كشف بدلات السفر التي صرفها المسؤولون اليمنيون خلال عام واحد لأدركوا أن مسؤوليهم ملائكة.
استقال وزير سنغـافوري احتجاجاً على تقاعس حكومته في سن تشريع لإصلاح البريد، «كيف لو يشوف البريد العـراقي، أو حنفية الانترنت»؟! مؤكداً أنه لن يكتفي بالاستقالة، ربما ينتحر!
الصحافة الفرنسية دفعت مسؤولين فرنسيين إلى تقديم استقالتيهما إثر انتقادات لهما بإساءة استخدام المال العام! أكرر: «إساءة استخدام»، لا أقول «هبر« ولا «هبش»! في بلادنا الصحافة هي التي يجب أن تستقيل، وعلى «أصحاب الكروش» أن يمددوا ويأخذوا راحتهم.
استقال وزير بريطاني بسبب نفقات الإيجار؛ أقول: «الإيجار»! لا أقول «هبر» الميزانية و«هبش» المناقصات ونهب الأراضي…!
استقال وزير الزراعة الإسباني بسبب عبارة واحدة قالها، هي: «الاعتناء بالري كالاعتناء بالمرأة»! فكيف لو حاسبنا مسؤولينا، الذين تجد منهم من يقول ألف كذبة لا تصدق منها كلمة واحدة. استقال مسؤول أوروبي إثر فشله بالوفاء بعهود قطعها للناخبين، عندنا لو فتحنا باب الاستقالات سنجد مليون وعد طلعت كلها وهمية!
استقال مسوؤل نفط أمريكي من جراء التسرب النفطي في خليج المكسيك (استقال وزير نقل عربي بسبب حادثة!)..عندنا لو تنطبق السماء على الأرض، وتستقيل السماء وتستقيل الأرض، لا يقدم المسؤول استقالته ولا يخرجه إلا تغيير حكومي أو قبضة عزرائيل!
ختاماً: برغـم الفلتان الإداري الهائل والإهمال والعجز الحكومي الذي تجاوز كل الحدود؛ كثير من المديرين مازالوا متسمرين فوق الكراسي ولم يشعروا بأي خجل ولم يقدموا استقالاتهم، بل إنهم منتظرون الشعب أن يستقيل.

print