حاول الغرب الاستعماري قديماً إلصاق تهمة الإرهاب بالدين الاسلامي عبر تشكيل ودعم بعض التنظيمات الإرهابية التي رفعت شعارات إسلامية مثل جماعة «الإخوان المسلمين» التي خرج من تحت عباءتها بعد ذلك، وفي سبعينيات القرن الماضي وما بعدها العديد من التنظيمات الإرهابية المنتسبة زوراً وبهتاناً للإسلام.
وعبر السيطرة الإعلامية الغربية على الرأي العام العالمي تم تسويق الإرهاب «منتجاً إسلامياً»، ومع صعود نجم الولايات المتحدة كقوة استعمارية جديدة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية – وأثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي- أخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة لتسويق الإرهاب «منتجاً إسلامياً» عبر سيطرتها على الآلة الإعلامية الجهنمية الجبارة التي تشكل العقل الجمعي العالمي، فذهبت إلى أفغانستان لمواجهة ما سمته «المد الشيوعي الإلحادي» في مناطق تنتشر فيها التجمعات المسلمة، وطالبوا الجماعات الإرهابية التي صنعتها القوى الاستعمارية القديمة بالذهاب إلى هناك بزعم لـ«نصرة الإسلام والمسلمين» بعد أن مدتها بالمال والسلاح، وأطلقت عليهم الآلة الإعلامية الأمريكية اسم «المجاهدين»، وأصبحوا ألعوبة في يدها تحركهم كما تشاء.. وبعد انتهاء مهمتهم في أفغانستان قامت الولايات المتحدة بإعادة تدويرهم مرة أخرى داخل بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية لتمزيقها وتفتيتها وإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار، واستخدمت الآلة الإعلامية لشيطنة الدين الإسلامي وروجت لمفاهيم مصطنعة مثل «الإسلاموفوبيا» لترعب العقل الجمعي العالمي من المسلمين .
وبالطبع، وعبر هيمنة الولايات المتحدة على معظم العالم بعد انتهاء الحرب الباردة واختفاء القطبية المتعددة والدوران في فلك القطب الواحد، استطاعت أن تسيطر أكثر على الجماعات الإرهابية الرافعة شعارات إسلامية وتهيمن بشكل كامل على الآلة الإعلامية الجديدة في ظل تطور وسائل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، وفي هذه المرحلة قامت بإيهام العالم بأن الإرهاب «منتج إسلامي صرف»، فتنظيم «القاعدة» الذي صنعته الولايات المتحدة ذاتها امتدت أذرعه لكل بقاع المعمورة فكل حادث إرهابي في العالم ينسب إليه وتالياً إلى الإسلام والمسلمين، ومع ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي قامت الآلة الإعلامية الأمريكية بإيهامنا بأنه قد تسلم الراية من تنظيم «القاعدة» ليمارس عمليات إرهابية أكثر وحشيةً، ليثبتوا للعقل الجمعي العالمي أن الإسلام والمسلمين هم «المفرّخ الأول» للإرهاب في العالم.
وفي محاولة لتبديد هذا الوهم لابد من التأكيد على أن هناك العديد من الجماعات والتنظيمات الإرهابية المنتسبة لأديان غير الإسلام حول العالم، بل هناك العديد من الممارسات الإرهابية مسجلة باسم بعض أتباع بعض الأديان قبل وبعد ظهور الإسلام، فاليهود منذ الحكم الروماني في فلسطين ظهرت لديهم أقدم جماعة إرهابية عرفت باسم «سيكاري» أي الخنجر باللغة اللاتينية و«حملة الخنجر» كانوا يخبئون الخناجر داخل ملابسهم ليباغتوا ويقتلوا مخالفي «الشريعة اليهودية» بل كل مَنْ يخالفهم في الرأي من القادة والجنود الرومان، وممارساتهم الحديثة وإبادة الشعب العربي الفلسطيني والعبث بالمقدسات الإسلامية والمسيحية ومجازر المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي وقانا وصبرا وشاتيلا وغيرها حتى اليوم خير شاهد وخير دليل.
وكما هو الحال في اليهودية فالتاريخ يوثق العديد من الممارسات الإرهابية لأولئك الذين استخدموا شعار الصليب في تنفيذ مخططات سياسية توسعية عبر ما عرف تاريخياً بالحروب الصليبية للاستيلاء على الأماكن المقدسة وبيت المقدس وثروات الشرق، إذ كانوا يرسمون الصليب على صدورهم ويوهمون شعوبهم بأنهم ذاهبون لـ«نصرة المسيحيين الشرقيين المضطهدين» تحت الحكم العربي الإسلامي، وفي طريقهم ارتكبوا أبشع الجرائم ضد المدنيين العزل من الشيوخ والنساء والأطفال، وما جماعات اليمين المتطرف في أوروبا الآن إلا شاهد ودليل على الإرهاب الذي يمارس تحت شعارات مختلفة لا علاقة لها بالإسلام، ولعل الحادث الإرهابي الذي شهدته نيوزيلندا مؤخراً من قبل إرهابي مسيحي قام بهجوم مسلح على مسجدين وفتح النيران على المصلين فخلف 50 قتيلاً وعشرات المصابين يؤكد ويدعم أن هناك إرهاباً يتم تحت شعارات ناجمة عن التحريض على الكراهية.
وبعد أن بددنا الوهم حول أن الإرهاب «منتج إسلامي» كما تحاول الآلة الإعلامية الغربية أن توهم الرأي العام العالمي بذلك، يمكننا القول إن الإرهاب منتج لا إنساني لا يمت لشرائع الله بصلة، فاليهودية والمسيحية والإسلام بريئة من هؤلاء المنتسبين إليها ويمارسون الإرهاب وهم رافعون شعارات دينية، لذلك لابد من أن يفيق الرأي العام العالمي ويخرج العقل الجمعي من هيمنة المروجين لمفاهيم كاذبة وخادعة لتحقيق مكاسب سياسية باستخدام الآلة الإعلامية الجهنمية الجبارة التي أصبحت أخطر الجنرالات في زمن الجيل الرابع والخامس للحروب.. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

كاتب من مصر

print