الشّرط التربوي والجبلّي لاستقراء الفهم المناسب للدين هو أحد العناصر الأساسية لتقويض التّطرّف الدّيني.. فالتطرف يركب على كلّ الأفكار والمعتقدات نتيجة عجز الحامل الفردي أو الجماعي لتلك الأفكار، وتصبح القضية خطيرة حين تجتمع حالات من هذا القبيل في تنظيم يعزز التطرف بأدبيات موحية.. في مثل هذه الحالة يصبح الداخل في هذه المجموعة في حكم المفقود والخارج منها في حكم المولود.. وأحياناً بعض التنظيمات تورّث أصحابها أحقاداً لن ينقذهم منها دين ولا زمان ولا حتى أي مصحة عقلية.. تلاحقهم كلعنة أبدية.
الحامل يفرض أيضاً شروطه على المعرفة في سوق خياراتها وفوضاها العارمة.. زمن التأويل ممتدّ ومفتوح على كلّ رأي، ومن نقائض الرّأي تتسلّل كل أعطاب وأمراض الحامل.. حين لا تصبح الحقيقة هي الهدف بل الرأي- ولو بالتّلوّي- نفتح طريقا سريعاً لأسوأ أشكال الفكر..
.. ولكن ما العمل، هل نغلق سوق الآراء؟
إنّ غلبة الرأي الخسيس يوشك أن يحاصر الرأي السديد، وحينئذ سيفسد الرأي على أصحابه: فلا رأي لمن لا يطاع.. ومهمّة النفاق في كل جيل هي أن تخلط الأوراق لكي تفسد الرأي على أصحابه.. وكل شيء يسلك في سوق الرأي باسم اختلاف الرأي.. واختلاف الرأي حقيقة لكن المنافقين في كل جيل لا يخالفون الرأي بل أحياناً يتبنونه ويتبعونه حذو النعل بالنعل لكنهم يخالفون الرّائي.. يقتلون الرّائي ويستأنفون الطريق من رأيه.. فالمشكلة في سوق النفاق عارية لمن تأمّل ونظّر.. ففي مدارس الرأي تختلف الأصول والنماذج والمنهجيات والأفكار.. حين تجد من يكرهك ويقلدك فاعلم أنّ للأمر صلة بالحسد وخسّة النّفس وضعف الشخصية وفقدان الرّجولة.. وهذه ظاهرة قديمة وتتكرر في كل جيل، وهي أيضاً في كل عصر لها صولة.
إنّ الفهم الديني وحده يحصّن من أدواء النفاق المنتشرة، ومن العدوى- مع الفهم الديني المتين القائم على قيم الفروسية- تنفضح كل الانزياحات اللاّمرئية لحركة النّفاق، فالعنف يصنعه الأغبياء وينظّر له المرضى ويدبّره المنافقون.. والمجال الديني خطير من حيث إنه دائماً كان «عش دبابير» المنافقين منذ أصبح الرقص على ركح التأويل والنّفاق، وجهة نظر.. وهل سيجد النفاق سلاحاً أقوى من الدين يُخفي فيه تناقضاته وجهله وخططه؟ وهل هناك أحسن من الدّين لتصريف كل الأمراض التي ينطوي عليها الحامل.
إنّني أرى في تلك الأفهام معالم المرض، وكذلك في كل سلوك أهل الدين حين يسلكونه نفاقاً.. إنّ النفاق بالغ الخطورة لكنه ضعيف وبليد.. ويكفي أن تكون على فهم لأسرار العلاقة بين الذات السوية وتدينها لتكشف العلاقة بين الذات غير السوية وتدينها: شتان بين هذا وذاك..هذا يصنع السلام والمحبة والوعي، وذاك يصنع الكراهية والحقد والتّفاهة.. لكي تكون متديناً سويّاً عليك أن تمرّ من مصحّة نفسية أولاً، فذاك شرط التّديّن السليم.

كاتب من المغرب

print