تقول أرقام الأمم المتحدة إن 1.4 مليون مهجر داخلي سوري عادوا إلى منازلهم خلال عام 2018، ويتحدث تقرير عن مدينة صوران التي هجرها أهلها البالغ عددهم 47 ألف مواطن بعد هجوم «المعارضة المسلحة» – حسب التقرير- ويصف التقرير زيارة مسؤول أممي للمدينة التي عاد 33 ألفاً من سكانها (70%). لكن التقرير لا يذكر التضحيات التي قدمها السوريون، وبشكل خاص الجيش العربي السوري، لتحقيق هذه العودة بتحرير المدينة واستعادة الأمن فيها، ويكتفي بالحديث عن بعض المساعدات التي قدمتها الأمم المتحدة، من قبيل تركيب نوافذ هنا وترميم جدار هناك.
وكما غابت الدولة السورية عن تقرير الأمم المتحدة المتعلق بصوران، تم تغييبها عن مؤتمر بروكسل الثالث الذي يناقش مشكلة اللجوء السوري.. إذاً غاب صاحب الشأن فمن حضر إذاً؟
بلغ عدد الحضور 85 دولة ومنظمة مجتمع مدني، يمكن قسمتهم بسهولة إلى ما يسمى الدول المانحة ويتصدرها الاتحاد الأوروبي، والدول الدافعة؛ وهي الدول التي تدفع بالأمر الأمريكي ويمثلها الكثير من دول الخليج، والدول «المتضررة» إضافة إلى المنظمات غير الحكومية.
بالتأكيد لم يطّلع أعضاء أحد الوفود على اللقاء الذي أجرته لينا الكرد المسؤول الإعلامي في مكتب «اليونسيف» الإعلامي وقالت فيه: إن وجود الأطفال السوريين في دول الجوار انعكس إيجاباً على قطاع التعليم ويرجع ذلك إلى سبب أساسي، وهو تصميم الأطفال السوريين وعائلاتهم ومثابرتهم ورغبتهم في العودة للمساهمة في بناء بلادهم.
يبقى الرأي القائل إن «المبادرة التي يحملها مؤتمر بروكسل لجمع 9 مليارات دولار لمساعدة اللاجئين السوريين، تستحق الشكر والتقدير» محل شك بالأهداف، فبعيداً عن حقيقة أن مؤتمر بروكسل الثاني سعى للحصول على المبلغ نفسه، لكنه لم يتمكن من الحصول إلا على وعود بدفع 6 مليارات دولار، دُفع منها في الواقع حوالى 65%. والحقيقة أن الولايات المتحدة قررت عدم دفع مساعدات، لكن هذا الغلاف الإنساني يخبئ أبعاداً سياسية لا تخفى على أحد.
فمن ناحية، ربطت رئيسة المؤتمر فيديريكا موغريني- وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي- المساعدات المقدمة للمهجرين في الداخل السوري بانطلاق ما سمته «عملية السلام» على أساس مقررات جنيف، في حين كان ديدييه رايندرز- وزير الخارجية البلجيكي- أكثر وضوحاً عندما حذر من الهجوم على إدلب، مدعياً أن هذا الهجوم سيسبب كارثة إنسانية، بمعنى أو بآخر، فإن الاتحاد الأوروبي ومن ورائه الولايات المتحدة اللذين شددا الحصار الاقتصادي على سورية يسعيان، من خلال المساعدات «الإنسانية» إلى تحقيق مكاسب سياسية، فشلا في تحقيقها في ميدان القتال.
أما المساعدات للدول المجاورة، وخاصة الأردن ولبنان، فمشروطة بتوفير الوظائف للاجئين السوريين، لبنان مطالب بتوفير 900 ألف وظيفة، والأردن 500 ألف وظيفة، وهو ما تعهدت به وزيرة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية ولكن بلغة تراعي تخوفات الأردنيين الذين تتفشى البطالة في أوساطهم، عند حديثها عن «تسهيل بيئة العمل» وتركيزها على إشادة الدول المشاركة بتجربة الأردن في توفير البيئة المساعدة لفرص التشغيل خاصة في مراكز التوظيف للأردنيين والسوريين.
إن الهدف الواضح الذي يُجْمع عليه المنتدون في بروكسل، هو توطين اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان بشكل خاص، ففي لبنان يسعى تيار معين إلى تغيير المعادلة الديمغرافية الطائفية الداخلية، بهدف إضعاف نفوذ حزب الله، وهو الأمر الذي يلقى قبولاً وارتياحاً لدى جميع أطراف المؤتمر، أما الأردن التي عاد ملكها من زيارته الثانية خلال شهر إلى الولايات المتحدة، حيث يتم وضع اللمسات الأخيرة على ما يسمى «صفقة القرن».. التي تضم في ثناياها مشروعاً لتوطين حوالى 1.5 مليون لاجئ فلسطيني في الأردن.. فإن توطين السوريين يضع الأمور في سياق إنساني، ويجتذب المزيد من المساعدات الدولية التي تحسّن الوضع الاقتصادي للبلاد، وتُسكت الأصوات المعارضة للصفقة العتيدة.
مؤتمر بروكسل إذاً، ليس سوى حلقة جديدة من حلقات المؤامرة على سورية، ومثل أي مؤتمر يُعقد بغياب الدولة السورية، الجهة الوحيدة والحصرية المعنية والمفوضة باتخاذ القرارات نيابة عن السوريين.
للأوروبيين والخليجيين والأمريكيين توزيع أموالهم على محظييهم بالطريقة التي يجدونها مناسبة، أما سورية التي استعصت على إرهابييهم وجيوشهم وطائراتهم، فسوف تستعصي على مؤتمراتهم ومؤامراتهم.

كاتب من الأردن

print