لا جدال في أن ثمة مشروعاً أمريكياً من مصلحته دق إسفين بين أبناء الشعب العربي بالاعتماد على خلفياتهم الدينية أو المذهبية، وهي في أغلبها موروثة، وقد يتم ذلك عبر معالجة مغلوطة للحوادث الإرهابية التي تتم بحق مسلمين يعيشون في البلدان الغربية أو المحكومة بالثقافة الغربية ولو كانت في أقاصي العالم، إذ يتم تصوير تلك الحوادث وكأنها حرب دينية يشنها أبناء دين على دين آخر، ما يدفع المسلم في الوطن العربي للتربص إزاء جاره المسيحي، بينما أغلب تلك الحوادث الإجرامية يكون الدافع إليها يمينياً وفاشياً وعنصرياً، ومعادياً للآخر، أياً كان، ويملك نظرة استعلائية تجاهه، ولا يريده أن يشاركه بلاده، ويتم إشراك المسيحية «المذاهب الغربية تحديداً» باعتبارها مكوناً ثقافياً للقومية البيضاء، وليس باعتبارها «مرجعية دينية، أو نصوصاً لها طابع إلهي».
لذا، قد تجد عدداً معتبراً من منفذي تلك الأعمال يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون ثقافياً، بينما لهم دين آخر يتبعونه، مثل أندرس بهرنه بريفيك الذي نفذ هجمات إرهابية في النرويج صيف 2011 وهو من «الوثنيين الجدد» ومؤيد بقوة للكيان الصهيوني.. وكانت العمليات التي نفّذها ضد حكومة ومواطني بلده ومعسكر شباب تابع لحزب العمل الحاكم حينها، قد أدّت لوفاة 77، معظمهم مواطنون نرويجيون بيض.
بريفيك، هو واحد من أبناء تيار «العصبية البيضاء» ويؤمن بضرورة سيادة العرق الأبيض، وقد عدّ عملياته رد فعل عقابياً على سياسات رئيس الوزراء وحزب العمل الحاكم حينها المتسامحة تجاه الأجانب والهجرة، علماً أن من بين أهدافه التي تم إعلانها أيضاً، إيذاء الموجودين في مخيم الشباب، لأن فيهم من يؤيدون فلسطين سواء من العرب الذين كانوا هناك أو من غيرهم.
واللافت أن بريفيك هو المؤثر في اليميني المتطرف برينتون تارنت الذي نفذ العمل الإرهابي بحق المسلمين المُصلين في نيوزيلندا الجمعة 15 آذار 2019، حسب وثيقة نشرها تارنت على الانترنت، وجاء فيها أيضاً أن من أهدافه العنصرية «إخلاء المجتمعات الغربية من غير البيض، وكذلك الانتقام من التنظيمات الإسلامية بسبب عملياتها الإرهابية، وإيقاف الهجرة إلى الغرب بتخويف المسلمين عبر العنف».
وما يمكن أن تلمحه لدى بريفيك وتارنت، يمكن أن تلاحظه أيضاً في العملية الإرهابية التي حصلت في كيبك في كندا كانون الثاني 2017 حين قام طالب العلوم السياسية ألكسندر بيسونيت- الذي ينتمي لتيار متطرف عنصري وانفصالي حتى على مستوى كندا ذاتها، ويؤيد بقوة الكيان الإسرائيلي- بإطلاق النار على مسجد، ما أدى لمقتل ستة.
العجيب هنا أن بريفيك وتارنت وبيسونيت وأمثالهم يتجاهلون أن التنظيمات الإرهابية التي يريدون الانتقام من المهاجرين بسببها، قد تسببت بالأذى الأكبر في البلدان الإسلامية، كما أن معظم من قتلوا على أيادي تلك التنظيمات هم أبناء الأسر المسلمة، بل إن العدد الأكبر من أماكن العبادة والمزارات التي تخربت على أيادي السلفيين الجهاديين، هي إسلامية، وتحديداً تلك التي لا توافق النهج الوهابي مثل الأضرحة الصوفية والمساجد الأثرية.. وكذلك يُهملون أن تلك التنظيمات تلقّت دعماً أساسياً من الحكومات الغربية، وأنها هي من وظّفتها – وما زالت – لخدمة مصالحها كما حصل في أفغانستان والشيشان، وكما الحاضر في ليبيا وسورية، كذلك فمن المؤكد أن استهداف الغرب لكل تجارب الحكم العربية التقدمية كان يصب أوتوماتيكياً في مصلحة تقوية الأفكار والأنظمة الرجعية التي وفّرت الحاضنة والدعم للمتطرفين.
كذلك يُدمن اليمين العنصري إلقاء المشكلات على هذا الحائط الوهمي، المُسمّى «المهاجرين» للتشويش على مسألة أن السياسات الغربية سبب أساس في تخريب بلاد هؤلاء المهاجرين ودفعهم للهجرة بالحرب أو بالنهب الاقتصادي أو عبر تعطيل مشاريع التنمية ليظل العالم الثالث مجرد أسواق ومصدر للموارد أو من خلال الأساليب الدعائية التي كرّهت أهل الجنوب في بلادهم وزرعت فيهم اليأس، وصوّرت لهم بلاد الشمال كجنّات النعيم، كذلك يستثمر التيار المتطرف في مشكلات الطبقة العاملة ومحدودي الدخل متجاهلاً أنها بدرجة أو أخرى نتاج للسياسات الاقتصادية المنحازة لأصحاب رؤوس الأموال، كما أنه أيضاً يستثمر في مسألة بروز منافسين للغرب مثل (الصين وروسيا) ويوظّف لإثارة النعرات العصبية، وتقديم صورة مفادها أن «الأمة البيضاء» في خطر!
ومن المؤكد أن هذا التيار العنصري عندما يأخذ موقفاً معادياً للمسلمين، فإنه يأخذ موقفاً مشابهاً إزاء الهند والصينيين والأمريكيين الأصليين، بمختلف موروثاتهم الثقافية، وكذلك يعادي الأرثوذوكس الشرقيين، تحديداً الروس، إذ ينظر «النازيون الجدد» إلى روسيا باعتبارها عدواً من الدرجة الأولى، ويقاتلونها في شرق أوكرانيا، متحالفين – ويا للعجب– مع تنظيمات سلفية قوقازية، كانت مدعومة من «العثمانيين الجدد» وهؤلاء العنصريون لا شك في أنهم ينظرون نظرة مشابهة بدرجة ما للمسيحيين العرب، وسترتفع تلك النظرة المعادية في حالة أصبح للعرب مشروعهم التحرري والمستقل.. لأن هذا التيار يفكر لمصالح قومية شوفينية.
الأمر الذي يستحق الوقوف عنده، أيضاً، في مسألة العمليات الإرهابية، هو نمط التفكير السلفي المتزمّت، وكذلك التنويري المزعوم الذي تسمع صوته عندما تقع جريمة بحق طائفة معينة، بينما يغيب عندما تحصل الجريمة ذاتها بحق أخرى.. فالوهابي قد يصمت على تفجير مزار صوفي أو عندما يستهدف التفجير بلداً عربياً يُراد تفكيكه (ولنا عبرة في تفجير سيهون في باكستان الذي قتل نحو 100 في 2017، وتفجيرات الكرادة في العراق في رمضان 2016، حيث قُتل أكثر من 320.. لكنّ هذه العمليات مرّت مرور الكرام) في الجهة المقابلة نجد بعض الذين يسترون طائفيّتهم أو تمويلاتهم الغربية أو مشروعهم للتمزيق بخطاب تنويري كاذب، حيث يُركّزون إدانتهم فقط على الجرائم التي يمكن أن تلحق بما يسمونه «الأقليات الدينية والمذهبية» والغرض ليس حقوقياً، بقدر ما يستهدف ترسيخ الفكر الطائفي والانحباس في الماضي، وعزل المشكلات بعضها عن بعض، وإنتاج خطاب مظلومية، يتجاهل ربط تدهور أوضاع هذه الطائفة أو تلك بتدهور أوضاع المجتمع بشكل عام من جراء غياب المشروع الحداثي والتنموي عامة، وهذا شيء مرتبط بالتبعية والتدخلات الغربية.
وتالياً، تكون القراءة الخاطئة داعماً للتفكيك والشرذمة والإضعاف.. أو تصب في مصلحة جهات متربصة.

كاتب من مصر

print