منذ سنوات وقرية قطينة الملاصقة للشركة العامة للأسمدة والمطلة على البحيرة الجميلة المدعوة باسمها تعاني مشكلات التلوث الخانق الذي تخلفه معامل الأسمدة الثلاثة التي تراكمت فيها المشكلات الفنية نتيجة اختلاف الإدارات والجهات الوصائية المتعاقبة وفقدان البنى التحتية الخاصة بمسألة التلوث، ويوم الأربعاء الماضي عاش أهالي القرية يوماً عصيباً، فالتلوث بلغ مداه وتسبب بالعديد من حالات الاختناق والإغماء، وبرغم مناشدة أهالي القرية إدارة الشركة بالتوقف عن العمل لساعات إلا أنهم لم يجدوا أذناً مصغية كما قالوا، ويرى المواطنون هناك أن عجلة الحياة وإنتاج الأسمدة لا تتم على حساب المسألة البيئية التي بدت واضحة على المزروعات التي احترق بعضها بشكل كامل .
في مركز الرعاية الاجتماعية في قطينة يتم توزيع أجهزة الإرذاذ للأطفال المصابين بالربو والأمراض التنفسية المزمنة بالمجان كمساعدة من منظمات دولية للقرية وللقرى المحيطة بها وبرغم إلحاحنا بالسؤال إلا أنهم رفضوا التصريح لأنهم يحتاجون إذناً مسبقاً، لكننا علمنا أن هناك مئات الأجهزة تم توزيعها على الأهالي في المنطقة المحيطة بالشركة العامة للأسمدة.
العجوزان نعيم رومية ومنوف رزوق بدت علائم التأثر كبيرة على وجهيهما بعد أن قضت الملوثات التي أمطرت القرية قبل أيام على كل ما زرعوه في حديقة بيتهم الواسعة، وقالت: لا نعلم إلى متى سوف نظل نعيش تحت رحمة الملوثات التي لم تسلم منها حتى أشواك القرية .
الطفل طوني وائل العسس كان يجري جلسة رذاذ في المركز الصحي في قطينة وأصر أهله على أن نراه قائلاً: كانت السماء تمطر من ملوثات معمل الأسمدة. حتى الكمامات لم تعد مفيدة في تلك الأثناء.
الدكتور هاني رومية اختصاصي في طب الأطفال قال: حالياً تأتينا حالات تنفسية حادة نتيجة استنشاق أبخرة وملوثات مصدرها الشركة العامة للأسمدة وبعض الحالات نوبات ربوية شديدة، وهنا نستخدم أجهزة الإرزاز بكثافة حتى إنه لم يبقَ بيت في قطينة تقريباً إلا ولديه واحد من تلك الأجهزة وقد تم توزيع أكثر من مئتي جهاز من منظمات دولية, وهذا مؤشر على الخطر الداهم والمستمر الذي تعانيه منطقة قطينة ككل من التلوث وما يخلفه من أمراض صدرية مزمنة هذا عدا عن السرطانات المنتشرة، ويومياً نستقبل عشرات الحالات، وفي شباط الماضي استقبلت وحدي في قطينة أكثر من 50 حالة تتعلق بالملوثات البيئية، والملوثات لها رائحة ولون وطعم يعلق في الصدور.
الآنسة مريم مطانيوس وهبة مديرة مدرسة هيثم خولي قالت: إن كل الأطفال يتأثرون بالتلوث، والأربعاء الماضي كان مخيفاً لنا كإدارة مدرسة، ولم نسمح للطلاب بالخروج من الصفوف إلا للضرورة وفي اليوم التالي بدا التلوث واضحاً على الأطفال من حالات السعال التي يعانيها الطلاب.
ثائر جروس رئيس بلدية قطينة قال: كانت الغازات المنبعثة من الشركة العامة للأسمدة لا تطاق وقد تسببت بالكثير من حالات الإختناق والإغماء في المنطقة الشرقية من القرية، وقد تحدثنا مع المدير العام للشركة الذي أكد لنا أن لديه أوامر بالتشغيل من وزير الصناعة ومطلوب منا كميات من الأسمدة للمصرف الزراعي، وما عليكم سوى الدعاء ليتغير اتجاه الريح وتبتعد الروائح عن بيوتكم، وهو سيحاول التحدث مع المصرف الزراعي ليطلبوا التوقف عن الإنتاج لكون الكميات لديه أصبحت شبه كاملة.
وأضاف جروس: تعاني قطينة مشكلات التلوث الناجمة عن معمل الشركة العامة للأسمدة منذ عشرات السنوات، من دون أي حلول على أرض الواقع برغم طرح المشكلة رسمياً وإعلامياً وفي أكثر من مناسبة، والتلوث لا يزال يوثر بشكل كبير في صحة المواطنين وكل ماله علاقة بالهواء والتربة والمياه الجوفية وقتل كل مظاهر الحياة في بحيرة قطينة وفي محيطها، وباءت كل الحلول المقترحة لإنقاذ البيئة في هذه المنطقة بالفشل، ومن المعلوم أن معمل الTSP هو من المعامل الملوثة لكل ما حوله باعتراف الجميع وسيبقى ملوثاً حتى وإن تم إجراء تعديلات عليه، فلماذا لا يتم إنشاء معمل بديل، ولماذا لا ينظر أحد إلى وضع قريتنا، وما تعانيه من الملوثات التي يطلقها المعمل باستمرار، وما نتمناه أن يتم إنقاذ هذه القرية وأهلها، ولاسيما أن الكثيرين منهم أصيبوا بأمراض صدرية مزمنة غير قابلة للشفاء.

print