تعتبر الإدارة الأمريكية نفسها سيدة العالم، وتتعرض للاستغلال في عدة قضايا. فأتت حربها التجارية كبديل عن الحروب التقليدية لمواجهة خصومها، ما يؤكد أن أمريكا ماضية في سياستها العدائية ضد دول بعينها لكسب المزيد من الامتيازات. فوجدت في إعلان الحرب التجارية، فرصة لإعادة تشكيل جغرافية اقتصادية جديدة كوسيلة أقل تكلفة لإضعاف خصومها، وتحقيق مصالحها من دون تكاليف عسكرية ولوجستية.
وأطلقت واشنطن جملة تعريفات جمركية جديدة بحق الكثير من الدول، استهدفت بشكل أساسي الاقتصاد الصيني، ومثيله من الاقتصادات الناشئة، والتي اعتبرت اعتراف أمريكي ضمني بالتفوق الصيني لا يمكن مواجهته. وظهرت هذه الحملة الأمريكية الشرسة كاعتداء على الشركات الصينية، وضد تبني لسياسة عالم متعدد الأقطاب، من خلال ربط القارات والحضارات والاستفادة من المزايا النسبية للدول والشركات المختلفة. ويدرك الغرب أن سياسة العدوان والحروب لن تمضي طويلاً وستكون في مسار المنافسة القوية على التفوق التجاري والاقتصادي المزيف للغرب.
وتمثل مبادرة الصين العالمية مشروعاً اقتصادياً وسياسياً رائداً، انطلق رسمياً عام 2013، ويشمل حتى اليوم ستة طرق برية وبحرية، وحوالي 152 دولة ومنظمة دولية. ومع تجاهل الغرب لهذه المبادرة، يحاول مواجهتها بشتى السبل. فبدأت واشنطن مؤخراً بخطوات جديدة ضد بكين، عندما وجهت كندا بالقبض على المدير المالي لشركة «هواوي» المتخصصة في تصنيع معدات الاتصال السلكية واللاسلكية والإلكترونيات. وتمثلت العقوبة الأمريكية بحق الشركة الصينية بخرق العقوبات غير القانونية على إيران.
الحروب الاقتصادية بين الدول الكبرى اقتصادياً، تمثل تهديداً حقيقياً للنمو الاقتصادي العالمي، وخطراً على الدول الصاعدة، وقد تؤدي لأزمات اقتصادية واجتماعية، لتكون تهديداً مباشراً للأنظمة السياسية للدول الأكثر ديمقراطية في العالم. وهذا ما يحصل اليوم بحق فنزويلا. فهي حرب دولية صناعية واقتصادية متعددة الأبعاد، بعد إدراك واشنطن أن حرب القنابل والصواريخ لم تعد تجدي نفعاً. فبقيت الورقة الوحيدة الرابحة لأمريكا، العمل بالنظام النقدي الاحتيالي.
السيناريو الذي تطبقه الإمبريالية العالمية بحق فنزويلا، يمثل الشكل الآخر لسطوة اللوبي الصهيوني العالمي ونظامه المالي، من خلال سياسية الابتزاز والسطو الممنهج لأصول وممتلكات الدول، فحظرت واشنطن ما يقرب 50 مليار دولار أمريكي، وما يقرب 1,2 مليار دولار من الذهب الفنزويلي المحتجز في لندن، إضافة لمقاطعة مبيعات المواد الهيدروكربونية.
ولا يختلف السيناريو الأميركي بحق فنزويلا عما تطبقه بحق سورية بعد الصمود الأسطوري بمواجهة الحرب الإرهابية التكفيرية، فمنعت سورية من استخدام نظام التحويل النقدي والحصول على الائتمان الدولي.
إن الطيف الكامل للهيمنة لمواجهة الاقتصادات الناشئة التي تعتبرها واشنطن القوى الأكثر احتمالية لمواجهة عظمة أمريكا المزعومة، تشمل برامج تجسسية، وحملات إعلامية ممنهجة، وأغلالاً اقتصادية غير قانونية، ومحاولات ابتزاز سياسي واقتصادي. وبالتالي، فالمحاولات الأمريكية لفرض السيطرة، لن يدوم طويلاً، لاسيما بعد الإدراك الدولي للحليف قبل النقيض، أنها سياسيات عدوانية تسلطية. ومن الأفضل الالتفاف لنشر مبادرات حقيقية تكاملية. فمبادرة الصين مثلاً، هي قطار لا يمكن إيقافه سيعمل على بناء وتنمية المجتمع والاقتصاد والسياسة، بما يعود بالنفع المشترك على كل الدول المساهمة والمنخرطة بها.

عن (غلوبال ريسيرتش)

print