من المفارقات في جدل الدين والإلحاد أن تجد بعض الملحدين في عالمنا العربي لا يطعنون في الدين الإلهي بل في التراث البشري للدين الذي تشوه وتحجر على مفاهيم منافية لجوهر الدين وأخلاقه.
في ضوء هذه المقاربة العاجلة نفتح أبواب الحوار العلمي والجدال المعرفي بين رؤيتين للحياة تجمعهما لغة مشتركة هي بناء الإنسان النبيل بين ديني مؤمن بأن عالم الغيب لا ينفصل عن عالم الشهادة في رؤية الدين لفلسفة الوجود وبين لا ديني يرى في الإنسان محوراً لفلسفته الوجودية. وبعيداً عن بعض النزعات الإلحادية التي ذهبت إلى تأليه الإنسان، واختصرت مفهوم السعادة بالجانب المادي منها، فإن الدين سيبقى متجذراً في النفس البشرية وفطرتها وسيبقى الدين حاجة روحية لا ينكرها العلم الحديث مهما بالغ في إلحاده وأخطائه المنهجية في تفسير الدين والإنسان. ومن أخطاء نقاد الفكر الديني نظرتهم إلى الدين من زاوية الأخطاء التي يرتكبها بعض رجال الدين وليس من النهج العلمي بشيء، والتعاطي مع الظاهرة الدينية بلغة الازدراء واختزالها بتسليط الضوء على ما يعتري المشهد الديني من تناقضات وسلبيات لأهداف سياسية واضحة في مخططات تمزيق الأمة ومشاريع تجزئتها. وما بين جهالات التدين وجهالات الإلحاد العربي يتسع مأزق النهوض العربي في سجال النخب الدينية والثقافية والعلمانية بشعارات تجاوزها الإلحاد في الغرب لا من خلال فصل الدين عن الدولة فحسب، بل من خلال تصحيح نظرته ومقارباته العلمية لتفسير الظاهرة الدينية.
ولهذا لا أراني أوافق بعض مقولات الملحدين العرب في نبوءاتهم عن تحول الدين إلى تاريخ أو أساطير لمجرد رفض بعض المدارس الدينية وضع ثوابتها العقدية على طاولة النقد واتهام كل ناقد للفكر الديني ومؤسساته بالكفر والإلحاد. وليس من الإلحاد الكشف عن مواضع الخلل الذي يلامس بعض المقولات الدينية ومسلماتها، كذلك، ليس من الإلحاد البحث عن الحقيقة وما يحيط بها من إشكالات تستحق الاهتمام المعرفي لأن اعتناق العقل هو المدخل الموضوعي لتصحيح علاقتنا باعتناق الدين.
إن فحص التراث الديني ومراجعته فيما يخص الجانب الاجتماعي من تأثيراته ليس إلحاداً ولاسيما عندما يتعلق نقد الفكر الديني بظاهرة التكفير والتكفير المضاد واستباحة دم المخالف الديني والثقافي وتدمير رموزه ومقدساته. وبكلمة، كيف يجادل الباحث عن الحقيقة الدينية في عصرنا مقولة من جزم باعتقاده أن الإيمان المحض أقوى من العلم القائم على البرهان ومن خالف ذلك حكم عليه بالكفر والإلحاد..؟.

print