يوم الإثنين الماضي دعا بنيامين نتنياهو رئيس حكومة العدو الصهيوني، السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام- وهو من متشددي المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري- لزيارة تل أبيب، وفي مؤتمر صحفي تعهد غراهام- بإقناع إدارة ترامب بالاعتراف بسيادة الكيان الصهيوني على الجولان، واستعرض معه نتنياهو أمام الصحافة أهمية هذا الاعتراف كاستثمار في حملته الانتخابية، وهو يعلم أن جميع الإدارات الأمريكية لم تتجرأ على اتخاذ قرار كهذا في الماضي، فما بالك في ظل انتصار سورية وحلفائها وفي ظل زيادة القدرات العسكرية لها في الجبهة الشمالية للكيان الصهيوني، ويبدو أن غراهام نفسه يدرك هذه الحقيقة، ويدرك أن سورية أحبطت المخطط الصهيوني طوال حرب السنوات الثماني الماضية، وأن «قدرة الردع» الصهيونية فقدت قوتها أمام تلك الجبهة الشمالية، ولهذا السبب حاول إظهار أن تلك القوة ما زالت قائمة بقوله إن كل من يعادي «إسرائيل» هو عدو للولايات المتحدة، وكأنه يتجاهل أن هذه القوة الكبرى الأمريكية تثلمت أظافرها والأدوات التي استندت إليها منذ غرقها 18 عاماً في حرب أفغانستان حتى الآن، ومنذ أن أجبرها الشعب العراقي ومقاومته الباسلة على سحب قوات الاحتلال الأمريكية التي وصل عددها خلال عامي (2011- 2012) إلى 168 ألفاً من الجنود في العراق بموجب ما ذكره مايك بومبيو وزير خارجية الولايات المتحدة في مؤتمر «وارسو» الأخير.
وإذا كانت ظروف احتلال العراق من قبل قوات التحالف الأمريكي عام 2003 اقتصرت ميدانيا على ساحة الأراضي العراقية، فإن عدداً من المسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية يدركون الآن أن عراق عام 2019 لم يعد عراق عام 2010 و2011 لأن تطلعه إلى التخلص من الضغوط الأمريكية والنفوذ الأمريكي تضاعف بعد انتصاره مع سورية وإيران في حربهم ضد الإرهاب، وحذّر سام ستيفينسون المحلل للشؤون الاستراتيجية في المجلة الإلكترونية «إكسبريس» البريطانية من أن يتسبب التدخل الأمريكي في شمال سورية وعند الحدود العراقية في إطلاق شرارة حرب عالمية ثالثة، فالطرف الأمريكي في تلك المنطقة يتعرض لعداء مباشر وواضح من معظم سكان المنطقة التي ينتشر قربها هو والميليشيات التي تقف إلى جانبه، فالعراقيون عند حدود سورية يرفضون وجوده، وكذلك السوريون الذين يحتل لهم أرضهم.. هذا عدا عن تركيا التي تتذمر من الدعم الذي تقدمه هذه القوات لفصائل تعتبرها معادية لها.. وفي ظل حصار يحيط العدو في ساحته فإن أي صدام مع القوات الأمريكية قد يطلق شرارة معارك لن تصمد فيها هذه القوات بسبب البيئة المعادية لها ولاستمرار وجودها على الأراضي السورية أو قرب حدود العراق مع سورية.. وحتى لو زادت واشنطن عدد قواتها في تلك المنطقة، فإن ذلك سيعني زيادة في عدد الأهداف التي ستتعرض للضرب، ولن يتمكن سلاح الجو الأمريكي من فعل شيء بمواجهة ذلك.
فالسوريون في تلك المنطقة ينتظرون بفارغ الصبر انسحاب القوات الأمريكية لينعموا بالأمن ويستعيدوا حياتهم الطبيعية كبقية الشعب السوري في المناطق التي حررها الجيش العربي السوري من الإرهابيين وهم على استعداد لبذل كل قدراتهم لتحقيق هذه الغاية، وهذا ما أكدته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في 14 كانون الأول الماضي حين ذكرت أن «المنطقة التي ينتشر فيها أربعة آلاف جندي أمريكي في شمال سورية يحيط بها معادون لأمريكا ولقادة الفصائل الذين تدعمهم»، ويبدو أن واشنطن ستفضل بقاء تنظيم «داعش» الإرهابي في تلك المنطقة مادام لا يستهدف قواتها، لكن وجود الجيش العربي السوري وسلاح الجو الروسي وإصرارهما على تصفية كل المجموعات الإرهابية سيؤديان في النهاية المحتومة إلى زيادة عزلة هذه القوات ومن يتحالف معها، وستجد القوات الأمريكية أن لا خيار أمامها إلا الانسحاب أو التورط في حرب لن تكون أبداً في مصلحتها ومصلحة من يتحالف معها في تلك المنطقة.

print