قصّة القيم في غموضها.. والتباسها في الممارسة، تدور حول علاقة المبادئ والغايات التي لخّصها صاحب كتاب الأمير في مقولة: الغاية تبرر الوسيلة.. وإنها لمعضلة حقّاً، لأنّ خطورتها ليست ذاتية لها، بل إنّ خطورتها تكمن في الحامل لهذه المقولة حين يكون في موقع سلطة ما، وما قد تتيحه السلطة من هذيان تطبيقي.
في كل المناقشات التي دارت رحاها حول هذه المقولة كنّا أمام سعي جاد لتبريرها، فهي في حاجة إلى تبرير.. وما كان في حاجة إلى تبرير فهو محتاج إلى غاية تبرره.. قد يتسلسل الأمر وهذا في حدّ ذاته مفارقة.. لكنّني أعتقد أنّ هذه المقولة تتعذّر معالجتها ليس لأنها قاعدة، بل هي في حاجة إلى قواعد أخرى للتحليل، هي مقولة غارقة في المجاز فلا يمكن بناء استنتاج منطقي حولها.. بل يبدو لي في تأمّل هذه القاعدة- بما أنّها قاعدة موجّهة للأمير- فإنّها مرتبطة بالسّلطة.. هي ليست قاعدة أخلاقية بل قاعدة لسلطة سياسية.. ومن جهة أخرى، هي ليست قاعدة عامّة بل هي مخرج أخير لسلطة في حالة حيرة إزاء شرعية الوسيلة.. ثم هي مخرج في سياسات الدّولة لأنها كائن غير أخلاقي في تدبير غاياته وإن كان هيغل عدّ أنّ لها أهدافاً تربوية.. ومع ذلك، فإنّ كلّ مظاهر الانهيار الأخلاقي في تدبير العلاقات الدّولية مدين لهذه المقولة التي تستثني الدّول من التقيّد بالأحكام المسبقة للفعل بما أنّ الغاية تبرره.. والغاية هنا بالنسبة للدول هي المصلحة.. والمصلحة هنا لها أكثر من قراءة تنتهي بالغموض وتساوي الأدلّة.. أصبحت المقولة أخطر حين خرجت من كونها فكرة مجازية في سياق تعاليم موجهة للأمير لتصبح قاعدة عامة في المجتمع.. وهكذا حين تصبح مقولة كهذه قاعدة في السلوك الاجتماعي العام تكون عنصراً ناسفاً لهيكل القيم الإنسانية.. لا يمكننا في تدبير الموقف من القيم إلغاء المبدأ والاستعاضة عنه بالمصلحة والغاية والعكس صحيح.. لأنّه في صميم المبدأ الأخلاقي تكمن المصلحة إلاّ ما كان واقعاً في الضرورة التي تنتهي بضرر مُهلك للمبدأ الأخلاقي نفسه وللكيان البشري نفسه، فهنا تكون المقولة المذكورة منضبطة بقاعدة «لا ضرر».
ولا شك في أن قاعدة «الغاية تبرر الوسيلة» معمول بها في أمم كثيرة وليست ابتكاراً لميكيافيللي، بل أحياناً تطبّق بطريقة معكوسة كما في قاعدة «سدّ باب الذّرائع» التي عمل بها بعض الفقهاء الذين لم يطبّقوا هذه المقولة وفق قاعدة المقاصد أو قاعدة الضرر- التي لها أيضا حدود وتفريعات إشكالية أخرى- بل أدركوا لها مفاهيم أخرى تعطيلية، كتعطيل الوسائل المشروعة إذا حصل احتمال في وقوع غايات غير شرعية، كما في قاعدة سد باب الذرائع.. فالغاية هنا ليست فقط تبرر وجود الوسيلة بل إلغاءها عند الاقتضاء.
في الثلاثينيات من القرن الماضي عالج تروتسكي هذه المعضلة من خلال منشوره «أخلاقنا وأخلاقهم» وخلص إلى إيجاد قاعدة دياليكتيكية للتوافق بين الوسائل والغايات، بينما في مناقشة جون ديوي لمضمون أطروحة تروتسكي وقف عند تفاصيل كثيرة، لكنه اهتدى إلى فكرة استراتيجية وهي أنّ هناك غايات في حاجة هي الأخرى لمن يبرّرها، غايات هي في الوقت نفسه وسائل.. لعل جون ديوي كان بصدد إقرار قاعدة إضافية ألا وهي وضع «غاية الغايات» وهي الغاية الخلقية القصوى التي لا تحتاج تبريراً.. أو لنقل كما في الفيزياء الجزء الذي لا يتجزّأ.. وفي علم الأخلاق: الغاية التي تبرر أخلاقياً، بل هي ما يقوم عليه صرح الأخلاق.. ربما هذا ما يمكن أن نفسر به فكرة جون ديوي.. لكن ماذا عن الغايات المتسلسلة التي يستحيل بلوغ حدّها الأقصى لأنّ مسار التسلسل في الفعل الخلقي يعمل على قاعدة «العود الأبدي والدوران اللانهائي حول الغايات ذاتها».. هل من الممكن أن نتحدّث عن «مونادولوجيا أخلاقية».. فما العمل يا ترى؟
إنّ أساس الفعل الأخلاقي هو في المبدأ، هو المبدأ نفسه.. وكما يقول الأصولي ففي امتثال المبدأ مصلحة، هي مصلحة الامتثال نفسه والجري العملي.. رحم الله الشيخ الأنصاري.. غير أنّ هذا لا ينفي دور الغايات.. لكن ما الغايات؟.. لقد تخلفنا كثيراً حتى عن العصر الإغريقي، عن فلسفة التعليل.. ألم يتحدّثوا عن العلّة الغائية؟.. إنّ الغاية حاضرة في كلّ تعليل وهي في مبدئه.. فالعلّة الأولى ناظرة ابتداء في مقوماتها، فالعلل أربع: صورية ومادية وفاعلية وغائية.. العلّة بهذا المعنى مركّبة وليست بسيطة.. ولقد كانت دائما العلة الغائية أساسية ولكنها لا تلغي العلل الأخرى.. قد يكون في القول بدياليكتيك التوافق بينهما- كما نحا تروتسكي- شيء من المخرجية لهذه المعضلة غير أنّ وسيلة الوسائل السوسيو- تاريخية، هي الصراع الطبقي، لكن على مستوى الممارسة كنّا أمام إشكاليات أخرى لسنا هنا في واردها.. إذا عددنا الغاية تبرر الوسيلة فمن يا ترى سيبرر تلك الغاية.. وإذا وجدنا من يبررها فهذا يعني أنها أصبحت هي نفسها وسيلة.. ويتسلسل الأمر.. حتى إذا عددنا العدل معيار القيم فإننا سنجد اختلافاً في فهم وتدبير العدل..
.. يبقى أن نلفت الانتباه إلى أنّ فكرة «الغاية تبرر الوسيلة» تؤسس سلطة للسّلطة.. تمنحها مساحات للفعل، كما أراد ميكيافيللي في وصيته للأمير..أي السلطة تظلّ سلطة بالقوة ما لم تنهج هذه القاعدة بالفعل.. بل يمكننا القول في جواب: ما السلطة؟ أن نقول: هي التي تحتكر شرعية تطبيق القاعدة الميكيافيللية..
إلى أي حدّ نستطيع تصوّر سلطة من دون شرط وجود هذه القاعدة في برنامجها؟ لكن لنتساءل: ما الغاية من تطبيق هذه القاعدة، أو ما الغاية التي تبرر الغاية التي تبرر الوسيلة؟.. هل هي غاية حقيقية أم غاية وهمية كما لو تعلّق الأمر بالردع.. هل هناك غايات، وهناك غاية الغايات التي لا تعني في نهاية المطاف سوى تعطيل كل الغايات التي تحدد الوسائل وليس تبريرها، لأنّ واحداً من تجلّيات الانسداد القيمي الكبير هو الهروب من الوسائل الأخلاقية لأجل اختراق المساحات الممنوعة فيما يسمّى الغايات.. إنها عملية انقلاب الغايات على الوسائل تقف خلفها غايات غير بريئة.. لكن من يا ترى سماها مصالح وغايات؟.. دائما سنجد أنفسنا أمام تحدّ أبدي يتعلق بالنّسق الحضاري الذي يتيح تغيير المفهوم..الفعل الأخلاقي لا يعمل بمعزل عن بيئته وسياقه ونسقه وإلاّ ظهر نشازاً وانتهى بانتحار آخر الفرسان..
.. ومع ذلك.. فإنّ الإمبريالية لا تسمح بتطبيق وصية ميكيافيللي حين يتعلق الأمر بدول الجنوب.. وهو ما يعني أنّ هذه المقولة لا تمنح سلطة فقط بل تحتاج هي الأخرى سلطة.. تسلك الإمبريالية وسائل فتاكة لغايات تراها مشروعة بتقدير تقارير استخباراتها، لكنها تصادر هذا الحق من غيرها حين يتعلق الأمر بلعبة الأمم..هذا ما يفسر مفارقة أن تنعت الإمبريالية «سياسات الهامش» باللاّأخلاقية لكن السياسات تصفها بالمصلحة.. نعم الغاية تبرر الوسيلة حين تكون الغاية محل وفاق إنساني وليس دائما تحتاج الوسيلة تبريراً من الغاية حين تكون وسيلة مشروعة.. ليست الغايات هي التي تفترض وسائلها بل للوسيلة أيضاً قوام خاصّ بوصفها – وإن كانت وسيلة – فهي في مقام الامتثال تصبح غاية خلقية على المدى البعيد، تلك الغاية هي سموّ الكائن إلى فعل الواجب الخلقي بالمعنى الكانطي للعبارة، وهو في حدّ ذاته امتثال يرقى بالوجود الإنساني، حيث تكون التضحية عنوان رقيّ، لا خيبة أمل.. حين يكون الواجب الأخلاقي غاية في حد ذاته للمجتمع في حدّ ذاته.

كاتب من المغرب

print