من أكثر الأشياء التي فعلتها حركات الإسلام السياسي، وتلفت الأنظار هي أنها لم تترك جماهير الناس لحالها، تنشغل في دوائرها الصغيرة المتمثلة في الأسرة والأهل والأصحاب، وتبحث من خلال ذلك عن سعادتها، وكيفية الحصول على كمّ أكبر من الأوقات الطيبة.. بل استحثّتهم على توسيع دوائر الاهتمام والتأثير، وحرّضتهم على امتلاك وعي جمعي، وهو شيء متسق مع دور الدين ذاته في الأصل، لكن الأزمة جاءت من كون هذا الوعي الجمعي الذي حققته تلك الحركات في الجماهير، جاء مشوهاً ومخلخلاً بالكلية، وقائماً على أعمدة طائفية ورجعية ومنغلقة وموهومة بالضرورة.
ومن هذا الباب الطائفي والمفارق للواقع بالكلية، والمتجاهل لمصالح الناس المعيشية.. استسهلت القوى الغربية دوماً توظيف هذا النوع من الحركات، إن لم تكن شريكة في إنتاجه وصناعته.
هذا ما فهمته جيداً، بالتجربة، عندما سمعت رجلاً في أواخر العقد الرابع من العمر، يقول بفخر: إنه عندما كان أصغر حالاً لم يكن مستهتراً، بل كان متلزماً، وقريباً من إحدى المجموعات الدينية، ويجهّز نفسه للحرب في الشيشان في التسعينيات، بعد أن فاته قطار القتال في أفغانستان ضد حكومتها المدعومة من الاتحاد السوفييتي، ولو لم يتضرر جسده بسبب حادث سيارة لذهب في 2011 للقتال مع القوى السلفية في ليبيا ضد نظام معمر القذافي، أو لسافر لتركيا وتجاوز الحدود ليشتبك بالمعارك في سورية، وإن أمنيته هي أن يزوج ابنته لأحد المحاربين في العراق أواليمن لصد «الخطر الشيعي!!».
وقتها قلت في نفسي: ليتك كنت مستهتراً، لابد من أنك ستكون سبباً في ضرر الآخرين، لكن ضررك حينها كان أخفّ، لضيق الدائرة التي تؤذيها، وإمكانية تغييرك كانت أيسر، لأن الأخطاء ليست مبنية على أساس أيديولوجي ولا تقف خلفها قناعات.
حقيقة، فإن الأزمة التي تواجه مهمة إصلاح الوعي في الوطن العربي، ليست في أن تجعل الناس تهتم بالشأن العام فقط، بل أن تعالج هذا الخلل الموجود لدى المهتمين أصلاً، وهي مهمة ليست سهلة.
هذا الخلل، مثلاً، هو الذي جعل الناس بين طرفة عين وانتباهتها، تحتشد، للدعاء لنصرة «المواطنين الصينيين» من الإيغور في شينجيانغ، من دون أن تسأل نفسها: لماذا نساهم في حملة دعاية يقف خلفها البيت الأبيض الكاره للصين؟!.. ولماذا لا ننتبه لـ«الحزب الإسلامي التركستاني» الذي جاء من هذه المنطقة ليُحارب ويخرّب في سورية؟!.. ولماذا ننجر لحملة ترسّخ للطائفية والفكر «الأقلاوي» عوضاً أن تكون دعوتنا هي، فقط لتعزيز المواطنة وأبجديات الدولة الحديثة؟!.. لكن الاحتشاد قد تم لأن القوى الدينية (الإخونجية) حرضت نحو هذا الاتجاه، وطالبت الناس باتخاذ موقف إزاء «أشقائهم المضطهدين» وعابت عليهم الانشغال بتدخين التبغ والتنزه مع الأولاد، وابتزّتهم باللعب على وتر العاطفة، والترويج للمعلومات المغلوطة، فصنعت وعياً جمعياً ما، تجاه قضية معينة، لكن هذا الوعي مشوّه، وسيُنتج مواقف بالطبيعة سيئة..التصحيح يكون عبر غرس وعي حقيقي.
لا يستهدف الكلام هنا، بأي شكل، التحريض على هجر القضايا العامة، بل المطلوب التكثيف من كل عمل يؤدي إلى صناعة وعي جمعي، وأن نربي أطفالنا على أن تحقيق الذات لا يكون إلا عبر بذلها في خدمة الدائرة المحيطة بالفرد، وأنه كلما اتسعت الدائرة اتسع التحقق، لكن الشرط هو أن يكون الوعي وعياً حقيقياً قائماً على المعلومة الموثقة، ومُنطلقاً من مصالحنا كشعب عربي يواجه تحديات داخلية متمثلة في التفكك والتخلّف.. وخارجية متمثلة في تلك المنظومة الغربية الباحثة دوماً عن النهب والهيمنة.. بل إنه ما من شك في أن تغوّل وانتشار هذا الوعي المشوّه الذي تسببت فيه تلك الحركات المتأخونة أو من يحركونها في الخارج، هو نتاج ترك الساحة خالية أمامها، وتقصير القوى التقدمية في التوعية وكشف الحقائق وتصنيع وعي جمعي إيجابي. وليس صحيحاً أن الناس أو جميع الناس بطبيعتهم فردانيون وأنانيون، فالكل يبحث عن الأسرة التي يكوّنها، ليبذل لمصلحتها المال والعرق، وهذا دليل على أن العطاء للآخرين جزء من سعادة الفرد وتحققه، وأن هناك تداخلاً واتصالاً جوهرياً وعميقاً بين الكل والفرد، وعلينا أن نحرّض الناس نحو مزيد من هذا المفهوم الذي يربط التحقق الذاتي بالقضية العامة، فمن المستحيل أن ينجو جميع أفراد مجتمع ما، أو أن يصيروا أفضل حالاً، في حال تخلّوا عن التفكير كمجتمع، وفضّلوا التفكير كأفراد، وما كانت الولايات المتحدة الأمريكية لتكون بتلك القوة التي تمكنها من تلك الغطرسة، لو أنها لم تقدّم ما بين 600 ألف إلى مليون قتيل بغرض الحفاظ على وحدة الولايات الجنوبية والشمالية، ومنع تفككها فيما سمي «الحرب الأهلية الأمريكية» في ستينيات القرن التاسع عشر.

كاتب من مصر

print