الحرب حرب، ولا يجوز اعتمادها إلا بوصفها اندراجاً في سياق الضرورة، وشرّاً لا مفرّ منه. والشرّ يظلّ شرّاً، ويظلّ بعض الشرّ أهون من بعض، حسب تعبير الشاعر الجاهلي. وعلى ذلك، تُصنّف حروب الولايات المتحدّة في العصر الحديث ضمن أسوأ أنواع الشرور التي عرفها العالم، فلم تدخل مكاناً إلاّ أبادت فيه الحياة على مدى عشرات السنين، وربما مئات السنين أيضاً، مستعملة وسائل شتّى، في مقدّمتها سلاحها النووي الذي لم تكن تحتاجه لإنجاز نصرها العسكري على اليابان في خواتيم الحرب العالمية الثانية، ولكنها استعملته بوصفه تهديداً للعالم وحرباً عليه. فصار العالم مستهدفاً بذلك التهديد الذي جعل أحد جنرالات أمريكا خلال الحرب الباردة، يستنكر تفكير العالم الثالث بالتقدّم: كيف يفكّرون بالتقدّم ونحن نملك السلاح الذرّي؟.
ما قاله ذلك الجنرال بصورة فظّة مباشرة تمارسه الآن الإدارات الأمريكية بدقّة. والفرق قائم في مسألتين: تتعلّق الأولى بإنجاز الإبادة على مراحل تستغرق وقتاً أطول، وتتعلّق الثانية بأن المستهدفين بالإبادة يظهرون بوصفهم مرحّبين بالإجراءات السياسية والعسكرية التي تعتمدها أمريكا، زاعمين أنها نشر للديمقراطية، ودفاع عن حقوق الإنسان. من مظاهر الفظاظة الأمريكية في إجراءاتها ضد العالم، ومن مظاهر نجاحها الباهر أيضاً، قدرتُها على جعل العالم يستعمل المصطلحات والعبارات التي يُنتجها خبراؤها، ويدرجونها في سياق الحرب الشاملة، ولا يوجد نصر أفضل من إجبار الخصم على استعمال لغة عدوّه، واستعمال مصطلحاته التي هي بالضرورة إحدى الأدوات التي يعتمدها في إنجاز انتصاراته. ومن ذلك، تمثيلاً لا حصراً، مصطلح العقوبات الاقتصادية التي تعتمدها أمريكا، فمجرّد إقرار الدول المتعرّضة للإجراءات الأمريكية الاقتصادية بأن العقوبات هي فعلاً عقوبات، فذلك يعني اعترافاً مسبقاً بالانتصار المسبق لأمريكا عليها، فالذي يعاقب هو بالضرورة الطرف المسيطر الأقوى. وإذا كانت الدول الضعيفة لا تتحرّج من الإقرار بضعفها فالمشكلة قائمة لدى الدول الكبرى العظمى التي تقرّ سلفاً بالانتصار الأمريكي الماثل في اعتماد المصطلحات الأمريكية التي تطلقها على إجراءاتها، كمصطلح العقوبات الذي يعتمده الأقوى والأعلى ضد الأدنى، فالله يعاقب المذنبين، والمعلم يعاقب المشاغبين، فالعقوبات حرب اقتصادية، وضغوط، وحصار، ولا يجوز أن نطلق عليها ما تطلقه أمريكا التي يمنحها المصطلح انتصاراً مجانياً.

print