منذ سنوات طويلة تعيش حمص وريفها الملاصق هاجس التلوث بكل أنواعه وهذا ينشر سمومه في الهواء وفي مصب نهر العاصي لتصل مستوياته إلى حدود عالية جداً، ووحده حلم مدينة حمص الخالية من الملوثات ذهب أدراج الرياح بعد أن عادت عجلة الحياة إلى الدوران من جديد! المصفاة وما يردها من نفط خام مواصفاته سيئة، وتصب نواتج مخلفاتها إلى سرير النهر مباشرة، وكذلك الشركة العامة للأسمدة بمعاملها الثلاثة التي تنفث سمومها في الأجواء وفي النهر منذ أكثر من شهر تقريباً بشكل غير مسبوق.

مديرية الموارد المائية رفعت دعوى في القضاء الإداري على المتسببين بتلويث مجرى النهر في خطوة ضرورية لإيقاف كل ذلك الزحف من الملوثات التي تتدفق كنهر لا ينقطع ،ولكي تقوم الوزارات المعنية بإيقاف كل النواتج الملوثة، ولأن الوقت لم يدهم المدينة بعد, فإن آثار التلوث لم تظهر بعد ولاسيما على المزروعات والمواطنين في آن معاً، وإن كان ناقوس الخطر قد بدأ يضرب أجراسه فعلاً ……
مشاريع متوقفة
المهندس هيثم مسوكر مدير مصفاة حمص تحدث عن المشاريع المتوقفة والتي كان من شأنها التخفيف من التلوث الذي بدأ يصيب نهر العاصي وما يخلفه ذلك من أضرار أولها مشروع ترشيد وإعادة تأهيل المياه، وحالياً يقوم مهندسو المصفاة وعمالها بمشاريع صغيرة للتخفيف من حدة التلوث، وأولها أحواض صدمة للتخفيف من التلوث، وهذه الأحواض تملأ أثناء انقطاع الكهرباء، لأن التلوث يتم في هذه الأوقات فقط، ومن خلال الأحواض يتم إرجاع الزيوت ومعالجتها، إضافة للحوض البيولوجي الذي سنقوم بتنظيفه بمساعدة مديرية الموارد المائية ،واليوم نحن أمام واقع يفترض بنا معالجة تداعياته، ولو أن المشاريع تمت لما وقعنا في هذا المطب وكل ذلك التلوث، وخلال سنوات الأزمة الماضية توقفت المشاريع وقبلها لم يكن التلوث بهذا الشكل،… وكان لدينا مشروع فلترة غازات المداخن وهذا تمّ إلغاؤه، ومشروع الاستفادة من الغازات التي تذهب للشعلة التي نحرقها واستثمارها ومن تلك الغازات ما هو ذو جدوى اقتصادية، وهذا تم إلغاؤه أيضاً، ونحن الآن في طور القيام بمشروع صغير لإعادة بعض الغازات، حيث ننفذه بجهود الفنيين في المصفاة، وهو التخفيف من الغازات المحترقة وضغط بعضها كغاز البوتان، ولدينا خطة تنظيف حوض العاصي بعد أن أوكل محافظ حمص للشركات التي تصب منصرفاتها في النهر تنظيف نهر العاصي من أجل سرعة جريانه، ووعدنا مدير الموارد المائية بتقديم المساعدة والآليات (البواكر) لتنظيف الأحواض واعتذر عن مشروع تنظيف النهر بسبب عدم توافر الإمكانية، ثم وصلنا كتاب بعدم التعاقد بالتراضي إلا بعد موافقة رئاسة مجلس الوزراء بما في ذلك القطاع العام، ونحن في المصفاة كانت لدينا عقود دائمة مع كل من شركة الإنشاءات المعدنية، الإسكان العسكري، وحالياً سنتعاقد مع الشركة العامة للمشاريع المائية وهم الأسرع في تنفيذ الأحواض، وبعد أن قمنا بإعداد محاضر الاتفاق جاء القرار بضرورة أخذ موافقة مجلس الوزراء، وهذا يمكن التعجيل به وأخذه للوزارة باليد، وتبقى الإجراءات الخاصة برئاسة مجلس الوزراء، ويبقى لدينا مشروع إعادة تأهيل المياه الملوثة، وهذا مشروع أصغر من مشروع ترشيد المياه، وستتم إعادة تأهيلها بصيانة المضخات والقواشط الزيتية، وحالياً وصلت إلى المرفأ معدات من ألمانيا خاصة بمحطة التأهيل، وبعضها قد يتسبب بحرائق.
لا تزال في الأدراج
في شهر نيسان العام 2010 صدر قرار عن رئيس مجلس الوزراء آنذاك واستنادا إلى اللجنة الاقتصادية بتكليف فريق عمل من وزارتي النفط والثروة المعدنية والدولة لشؤون البيئة لتحديد الإجراءات العملية التي يمكن اتخاذها للتخفيف من التلوث الناجم عن عمل مصفاة حمص والوحدات التابعة لها والتكلفة المادية المقدرة لتلبية متطلبات التنفيذ، وفي 11 تموز من العام نفسه عقد فريق العمل المشكّل بالقرار الوزاري اجتماعاً توصل فيه إلى عدّ الغاز الطبيعي والفيول غاز وقود نظيف لخلوه من الملوثات الكبريتية والآزوتية، وتم تحويل أفران المصفاة لتعمل على حرق 70 % باستخدام الغاز الطبيعي والفيول و30%غاز أوبل، كما ناقش فريق العمل المشكل إعادة تحليل بعض محللات الأوكسجين الموجودة على الأفران وتركيب محللات جديدة على الأفران التي ليس لديها مثل هذه المحللات، وناقشوا تنفيذ مشروع لتعديل وحدة التقطير الجوي 22 لتخفيف الانبعاثات الهيدروكربونية القصيرة والروائح من وحدة التقطير 22، والعمل على تغيير النظام الموجود في وحدات المصفاة من نظام مفتوح إلى نظام مغلق، وتركيب مرشات دائمة أعلى حاصل الفحم، وتأهيل وحدة الكبريت الموجودة وإنشاء وحدة جديدة بالحمولة نفسها 148 طناً باليوم، وإعادة تأهيل أو استبدال ضواغط الهدرجات وتأمين أجهزة قياس لرصد الملوثات الغازية عند المصدر وفي بيئة العمل وتركيب نظام دارة استرجاع غازات الشعلة لكونه مشروعاً مهماً بيئياً، وإعادة تأهيل محطة القوى لتحسين الواقع البيئي وتخفيض الانبعاثات، وإعادة تأهيل الوحدة 24 لمعالجة المياه الحمضية الحالية وإنشاء وحدة معالجة حمضية جديدة باستطاعة مناسبة تضمن معالجة كامل المياه الحمضية المنصرفة إلى وحدة معالجة المياه الملوثة وتحسين واقع محطات معالجة المياه الملوثة وإنشاء وحدة معالجة السلدج الصناعي، وإنشاء ساحات صغيرة خاصة بغسيل المبادلات أثناء العمرات في أماكن مختلفة ضمن ساحات الوحدات حيث إن الرواسب تعمل على انسداد المجارير وطوفانها لكونها نواتج سامة تؤثر في نوعية المياه .
وتوصل فريق العمل الحكومي إلى أن الهدف من معظم هذه المشاريع هو إعادة تأهيل وتطوير بعض الوحدات، وستعمل هذه الوحدات في حال إنجازها على تحسين الواقع البيئي في الشركة بشكل كبير والحد من الإصدارات والملوثات الغازية والسائلة والصلبة، وتبلغ التكلفة المالية المقدرة لتلك المشاريع بشكل أولي من شركة مصفاة حمص حوالي ستة مليارات ليرة آنذاك.
واليوم نجد أن الكثير من المشاريع لم يتم تنفيذها بسبب الأزمة التي مرت بها حمص ولكونها بحاجة اليوم إلى دراسات تمويل جديدة.
تحويل الزراعة إلى بعلية
المهندس يونس حمدان -مدير دائرة الإنتاج النباتي في مديرية زراعة حمص قال: تم تحويل /662/هكتاراً من المساحات المزروعة المروية إلى بعلية ابتداءً من مصفاة حمص وحتى قرية غجر أمير، تلك الزراعات التي تعتمد في ريها على مياه النهر حرصاً منا على حماية المواطنين وكذلك حماية الثروة الحيوانية من التلوث الحاصل بناء على قرار تم اتخاذه في اللجنة الزراعية الفرعية التي يرأسها محافظ حمص ومفاده تحويل الزراعات المروية إلى بعلية لحين إزالة أسباب التلوث ومصادرها هي مصبات مصفاة حمص ومعمل السماد الآزوتي، وتم توجيه كتب من رئيس اللجنة الزراعية الفرعية إلى الوزارات صاحبة الشأن لاتخاذ إجراءات وتدابير سريعة للحيلولة دون استمرار تلويث مجرى نهر العاصي بإقامة محطات معالجة لمنصرفاتها، ومن جهتها قامت مديرية الموارد المائية بتحليل المياه لمعرفة مدى تأثيرها في النباتات والتربة.
وأضاف حمدان: وفقاً للقرار 8 الصادر عن وزارة الزراعة لعام 2006 فإنه تحظر زراعة الخضر والمزروعات التي تروى من مصادر ملوثة (صرف صحي غير معالج وصرف صناعي) وتتلف الخضر والمزروعات التي تثبت أنها تروى من مياه ملوثة وتؤثر في صحة الإنسان والحيوان وينظم ضبط من اللجنة الزراعية ويحال للقضاء أصولاً.
دعوى قضائية
المهندس إسماعيل إسماعيل مدير الموارد المائية في حمص قال: لا علاقة لنا في موضوع التلوث الحاصل في مجرى نهر العاصي هذه الأيام، وجلّ ما فعلناه هو رفع دعوى قضائية على المتسببين فيه وأهمها شركة مصفاة حمص، وبينت نتائج المراقبة الدورية التي نقوم بها لمراصد نهر العاصي خلال شهر كانون الثاني الماضي ارتفاع قيمة الفوسفات في مراصد بحيرة قطينة ومخرج البحيرة وطريقي الشام وطرابلس وفي الدوير نتيجة منصرفات الأسمدة والمصفاة والصرف الصحي.
في الشركة العامة للأسمدة أوضح كتاب الأمين العام لرئاسة مجلس الوزراء الموجه لكل من وزير الإدارة المحلية ووزير الصناعة أن أهم الملوثات: هو انطلاق غاز ثاني أوكسيد الكبريت في الهواء وبقيم عالية تخطت عتبة الإنذار المسموح بها ما يلحق الأذى بالعمال والبيئة المحيطة ويتسبب بأمراض ربو وانتفاخ الرئة ويثبط عمل الرئتين والتهاب العينين والمجاري التنفسية وله تأثير في البيئة المائية ويتسبب بتآكل المعادن وتلف الوصلات الكهربائية والورق والقماش والطلاء ويؤدي إلى تشكّل المطر الحامضي الذي يضر بالنباتات ويقلل نمو المزروعات، وأن معامل شركة الأسمدة تقوم بتلويث نهر العاصي ولم تعد صالحة حتى للأغراض الزراعية ما أدى إلى خروج مساحات من الأراضي الصالحة للزراعة من الخدمة وإلى خلل في مواصفات التربة وتسرب الملوثات إلى باطن الأرض وتلوث المياه الجوفية بمادة النترات, إذ خرجت آبار عديدة من الخدمة وأصبحت بحاجة إلى معالجة، عدا عن تلوث مياه بحيرة قطينة، والتلوث الناجم يؤدي إلى انتشار بعض الأمراض.

طباعة

عدد القراءات: 5